المواجهة فوق السطح
الفصل الثاني والعشرون: المواجهة فوق السطح
أنا ريتال… والآن، أقف على حافة الحقيقة.
لم يعد هناك مجال للهروب، لا زوايا للاختباء، ولا جدران تحمينا من السؤال الذي طالما تجاهلناه: من نحن… حقًا؟
الميّسان بجانبي ترتجف، والبنت الغامضة تقترب منّا بخطى بطيئة، كل خطوة منها كأنها تجر خلفها سلاسل من الذكريات التي دفنّاها يومًا.
صوت الرياح كان يعصف بشدة، لكنها لم تكن رياحًا طبيعية، بل تحمل أنينًا… بكاءً خافتًا.
أما السماء، فقد بدت وكأنها مرآة سوداء، تعكس وجوهنا حين نخاف… حين نكذب على أنفسنا.
قالت الفتاة، بصوت هادئ لكنه مخيف:
– “تعرفان من أكون… فقط أنتما لا تريدان التذكّر.”
نظرتُ إليها بعينين تتصارع فيهما الشجاعة والشك، ثم تمتمتُ:
– “أنتِ… روح؟ شبح؟ ما الذي تريدينه منا؟”
ابتسمت، وقالت:
– “أنا جزء منكما. شيء أنتما من صنعتماه، شيء دفنتماه في أعماقكما ورفضتما أن تعترفا به.”
ثم نظرت إلى ميّسان، وأضافت:
– “وأنتِ… أنتِ كنتِ السبب في البداية.”
شهقت ميّسان، وبدت وكأنها ستسقط. أمسكتُها بسرعة، وقلت بعصبية:
– “كفى! إن كانت لديكِ إجابة، فقوليها الآن!”
اقتربت الفتاة أكثر، وقالت:
– “في السنة التي انتقلتما فيها إلى هذه المدرسة، حدث شيء… حادثة لم تجرؤا على البوح بها حتى لبعضكما. فتاة… صغيرة… كانت معكما. أليس كذلك؟”
اتسعت عينا ميّسان، وانسحب لون وجهها.
همست:
– “لا… لا أريد أن أتذكّر…”
لكنني أنا… تذكّرت.
الفتاة الصغيرة… ليال.
طفلة كانت معنا، في نفس الصف. كانت هادئة، منطوية، تتبعنا أينما ذهبنا.
تتوسّل أن تكون واحدة منّا، تضحك حين نبتسم، وتبكي إذا غضبنا.
كانت مختلفة… كانت طيبة أكثر مما يجب… وكان الجميع يسخر منها.
ذات يوم… أذكر الآن… أذكر كل شيء.
كنا في الحصة الأخيرة، خرجنا جميعًا إلى الساحة، لكنها اختفت.
قيل إنها سقطت من السطح… لكن الحقيقة… أننا رأيناها هناك.
رأيناها تبكي على الحافة، وسمعناها تنادي… وابتعدنا.
لم نكن نعلم أنها ستسقط… لم نظن أنها ستقفز.
لكننا لم نساعدها.
انهمرت دموعي فجأة، وصرخت في وجه الفتاة:
– “كفى! كفى! أنا أتذكّر… أتذكّر كل شيء!”
ابتسمت الفتاة، ودمعة انزلقت من عينها.
– “هذا كل ما كنت أريده… أن تعترفا.”
ميّسان كانت تبكي بصمت، ووجهها مدفون بين يديها.
قالت بصوت مكسور:
– “أنا… كنت السبب. كنت أضحك عليها أمام الجميع… كنت أجرحها… وكنت أراها تتألم ولا أبالي.”
سكتت الفتاة، ثم أشارت إلى السماء.
وفجأة، بدأ الضباب يتلاشى، والنجوم تظهر واحدة تلو الأخرى.
ثم… سمعنا صوتًا.
صوت فتاة صغيرة، ناعم كنسمة، قالت:
– “شكراً… لأنكما تذكرتما.”
تجمدنا في أماكننا.
ثم ظهرت… ليال، بشعرها القصير وعينيها الهادئتين.
كانت تبتسم… وابتسامتها كانت نقية.
قالت:
– “لقد بقيتُ هنا… بين الجدران، بين الصرخات… لأن قلبي لم ينسَ.
لم أكن أريد الانتقام، فقط أردت أن أعرف أنني لم أكن نكرة… أنكم تتذكرونني.”
ركضت ميّسان نحوها، لكنها توقفت، فقد بدأت ليال تتلاشى.
همست:
– “وداعًا يا أصدقاء الطفولة… لقد سامحتكما.”
ثم اختفت.
واختفى معها الضباب… والبرد… والظلام.
فجأة، سمعنا صوت الجرس… جرس المدرسة، يدقّ كأن شيئًا لم يكن.
نظرتُ حولي، فوجدتُ نفسي واقفة عند مدخل المدرسة، وميّسان بجانبي، والطلاب يدخلون كأن اليوم عادي.
قلتُ لها:
– “هل… عدنا؟”
أجابت:
– “أجل… لكننا لسنا نفس الأشخاص الذين دخلوا.”
أمسكتُ بيدها، ونظرتُ إلى السماء التي بدأت تشرق…
شمس جديدة… وحياة جديدة .