بين الظلال والحقيقة
الفصل السادس: بين صدى الأرواح وحقيقة الظلال
لا أعلم كم من الوقت مرّ وأنا أحدّق فيه. هو… أنا؟ لا. لا يمكن.
ابتسم تلك الابتسامة الباردة التي لا تحمل سوى السخرية من جهلي، وقال بصوت كأنه يتردد في أعماق رأسي لا في أذنيّ:
"هل تعتقدين أنّك نجوتِ؟ لا، يا رِتال… لقد بدأ كل شيء للتو."
ابتعدت خطوة للخلف. ميّسان كانت خلفي، تمسك بيدي، أسمع تنفسها المتسارع، وهي تحاول أن تفهم من يكون.
قلت بصوت مرتجف:
"من أنت؟ ما هذه اللعبة السخيفة؟"
أدار وجهه قليلًا، ثم نظر إلى يده، كان يحمل كتابًا أسود. لا عنوان له، ولا اسم مؤلف. فقط جلد قاتم عليه رموز محفورة كأنها خُطّت بنار.
ردّ بهدوء:
"أنا كل ما دفنتِه بداخلك… كل ما هربتِ منه، كل كذبة صدّقتها لتعيشي. وهذا الكتاب… هو قصتكِ الحقيقية."
رفعت حاجبيّ، وقبل أن أنطق بشيء، اختفى فجأة. لم يترك أثرًا، لا صدى، لا ظل، لا حرارة. وكأنّه لم يكن هناك أصلًا.
لكن بقي الكتاب، ساقطًا على الأرض. فتحتُه ببطء، رغم اعتراض ميّسان، فوجدت الصفحة الأولى مكتوبًا فيها:
"في تلك الليلة، لم تنجُ… بل بدأت تموت ببطء."
تراجعت، وقلبي يكاد يقفز من مكانه. نظرت إلى الصفحات التالية، كانت تحكي كل شيء عشنا فيه. كل لحظة داخل المدرسة، كل صرخة، كل همسة، كل ظل. بل حتى حديثي مع ميّسان… كلّه مكتوب!
صرخت:
"هذا مستحيل! هذا… هذا جنون!"
ردّت ميّسان بخوف:
"يجب أن نغادر. فورًا. هذا المكان يتغذى علينا… يتغذى على خوفنا، وذكرياتنا!"
ركضنا معًا خارج الممر. لكن الممر لم يكن كما كان… أصبح أطول، أضيق، والجدران تقطر سوادًا.
كل خطوة نمشيها، كانت الأرض تحتنا تصدر صريرًا، كأنها تئن.
حتى وصلنا إلى الباب الخلفي للمدرسة، حيث لم نجرؤ أن نقترب منه سابقًا.
لكن الآن… لم يكن هناك طريقٌ آخر.
دفعته بكل قوتي، ففتح على مصراعيه… لنخرج إلى عالم آخر.
لا شمس، لا قمر، لا سماء.
أرض بيضاء… ضباب يملأ المكان، وأصوات أطفال يركضون ويضحكون من بعيد.
لكن حين نظرت إليهم… كانوا بلا وجوه.
وقفت مذهولة، وقلت:
"ما هذا؟ هل نحن… خارج المدرسة؟"
قالت ميّسان، والدموع في عينيها:
"لا… أعتقد أننا خرجنا من المكان… لكننا لم نخرج من القصة."
وبينما نحاول فهم ما يجري… دوى صوت كأنّه قادم من تحت الأرض:
"إن خرجتما… يجب أن تواجها الحقيقة…"
"المدرسة لم تكن سوى البداية."