أنا ... لست أنا
الفصل السابع: أنا… لستُ أنا
كنت أسمع صراخاً، لكن لا أحد يفتح فمه.
كنت أرى ظلالاً تتحرّك، لكن لا أحد يتحرّك فعلاً.
وكنت أشعر بقلبي ينبض… لكن بداخلي، شيء ما كان قد توقّف.
"رتال!"
صرخة ميسان أيقظتني من حالة التيه، كنت واقفة وسط الغرفة، وأحد أولئك الأطفال بلا وجوه كان يقترب نحوي. لا يمشي… بل ينزلق فوق الأرض وكأنه لا يلمسها.
تراجعتُ خطوة، ثم أخرى، حتى اصطدمت بكتف ميسان، كانت ترتجف، عيناها تدمعان، لكنها لم تصرخ. كانت فقط تنظر إلى أحد الأسرّة… وكأنها ترى شبحًا تعرفه.
همست: "لا أريد أن أكون هنا، أرجوكِ رتال، لنخرج…"
لكنني لم أجب.
لأنني في تلك اللحظة، رأيت شيئًا… أو ربما تذكّرت.
في آخر الغرفة، كان هناك باب صغير، نصفه مخلوع. لم أره من قبل، لكنه بدا مألوفًا… شيئًا ما بداخلي كان يهمس:
"هذا هو… هذا حيث بدأت كلّ الأمور."
اقتربت منه ببطء، وضعت يدي على قبضته الحديدية الباردة، وفتحتُه.
رائحة الغبار والدم استقبلتني، والغرفة كانت ضيقة، جدرانها مغطاة بخربشات أطفال… لكن هناك على الجدار الخلفي، رأيت اسمي مكتوبًا.
"رتال."
وتحته: "تم التجربة: ناجحة."
شعرت أن الأرض تدور من تحتي، وركبتاي لم تعد تقويان على حملي.
"ناجحة؟ ما معنى هذا؟"
ثم رأيت شيئًا آخَر… صورة قديمة معلقة بإبرة صدئة. فيها مجموعة من الأطفال، يبتسمون. كنت واحدة منهم. شعري كان أقصر، ووجهي أنحف… لكنني كنت هناك.
وبينما كنت أحدق في الصورة، دخلت ميسان وراءي، ثم قالت بصوتٍ غريب:
"رتال… هذه أنتِ؟"
أجبت: "لا أعلم… أظنني كنت هنا… لا أذكر متى… ولا لماذا."
لكن الصوت في رأسي كان يزداد وضوحًا:
"كنتم تسعة… ثلاثة اختفوا… والبقية تم نسيانهم."
فجأة، انطفأ النور. صرخت ميسان، وأمسكت بيدي بقوة، لكنني كنت هادئة. شيء ما استيقظ داخلي. لم أعد أشعر بالخوف، بل بالمعرفة… وكأنّ جزءًا مني لم يكن نائمًا، بل ينتظر أن أعود.
وبين الظلمة، سطع ضوء خافت من الجدار، وظهر عليه وجهٌ… وجهي أنا، لكن بعينين سوداوين وفمٍ مخيط.
قال الوجه بصوتٍ مشقوق:
"أنتِ لستِ رتال الحقيقية… أنتِ البقية التي نجَت… نحن من صنعناك، أنتِ واحدة منّا، ولقد عدتِ لتعيدي التوازن."
ميسان كانت تهمس: "لا أصدق… هذا كذب، هذا مستحيل."
لكنني، ولأول مرة، لم أكن أنكر.
بل قلت:
"أعرف… أنا كنت شيئًا آخر… ثم أصبحت إنسانة."
ثم وجهت نظري إلى الظلال التي بدأت تتجمّع حولي… وقلت بصوتٍ ثابت:
"لكنني الآن، سأكون أكثر من ذلك… سأُنهي هذه اللعنة."
وتقدّمت بخطوتي الأولى نحو مركز الدائرة، حيث وُلدت كل هذه الأرواح… لأواجه ماضيي الحقيقي.