صدى الأرواح
الفصل السادس: صدى الأرواح
أصوات أقدامنا على الإسفلت المهترئ كانت كافية لتحريك الخوف داخلي. الهواء في هذه المدينة لا يُستنشق، بل يُهاجم… وكأنه يحمل في ذراته صرخات من رحلوا.
أنا رتال… ومع كل خطوة أمشيها، أشعر أنني لا أقترب من الخلاص، بل من الهاوية.
ميسان كانت تسير خلفي، مترددة، لا تتكلم، فقط تنظر حولها وكأنها تتوقع أن ينقضّ علينا شبح من الظل. كنت أسمع أنفاسها تتسارع… لكنّ صوتًا آخر بدأ يتغلّب عليها. صوت لم أسمعه من قبل.
ضحكة.
نعم… ضحكة طفولية، قصيرة، ناعمة… لكن بداخلها شيء مظلم. نظرتُ خلفي، ثم للأمام، ثم إلى السماء… لا أحد.
"رتال، أنا… سمعت شي..."
قاطعتها وقلت بصوت منخفض: "أنا أيضًا…"
واصلنا المشي حتى وصلنا إلى بوابة كبيرة من الحديد، نصفها مفتوح. كانت تؤدي إلى ملعب مدرسي، لكن ما بداخله لم يكن ملعبًا عاديًّا.
أرضيته ليست ترابًا، بل… زجاج!
كلّ الزجاج كان مكسورًا، وفي كل قطعة انعكاس غريب، كأنها نوافذ لعوالم أخرى. ركعتُ على ركبتي، ونظرتُ في واحدة من القطع، فرأيت فتاة صغيرة...
كانت تشبهني. كانت تبكي وتصرخ، لكنها لم تكن تُسمع.
"من…؟"
"إنها أنتِ."
جاء الصوت من فتاة ظهرت فجأة أمامنا، كانت ترتدي زي المدرسة ذاته الذي نرتديه، وجهها نظيف، لكن عيناها بلا بياض.
"من أنتِ؟!" صرخت ميسان.
قالت بهدوء:
"أنا مرآة ما نسيتموه… هذه المدرسة لم تكن مكانًا للتعليم، بل كانت مختبرًا للأرواح… أطفال تمّت عليهم التجارب، وتم نسيانهم."
تقدّمت منها ببطء وسألتها:
"ولماذا نحن هنا؟"
قالت:
"لأنكما الوحيدتان اللتان عبرتما البوابة… سمعتما الهمسات، لكن لم تهربا، بل تبعتماها."
ثم نظرت إليّ بعينين فارغتين وأضافت:
"رتال… أنتِ كنتِ واحدة منّا."
تجمد الدم في عروقي.
"أنا؟ ماذا تقصدين؟ أنا لم آتِ إلى هنا من قبل."
"بل أتيتِ… لكنهم محوا ذاكرتك، كما فعلوا مع غيرك… كنتِ طفلة هنا، رأيتِ ما لا يُرى، وهربتِ، لكننا لم ننسَ."
ميسان أمسكت بذراعي بشدة وهمست:
"رتال، لنخرج… الآن…"
لكن الطفلة أكملت:
"لا خروج قبل أن تواجهي الحقيقة… الحقيقة التي دفنتها في قلبك."
ثم أشارت إلى المبنى الخلفي. كان ضخمًا، أبوابه مقفلة، ونوافذه محطّمة، وفوقه لافتة سوداء كتب عليها بخط أحمر:
"منطقة الحبس المؤقت للأرواح الغاضبة."
شعرت برعشة تسري في جسدي. هناك شيء في داخلي يقول لي أنني أعرف هذا المكان… لكني لا أريد تذكّره.
قالت ميسان بخوف:
"لو دخلنا، قد لا نخرج أبدًا…"
نظرت إليها، ثم إلى السماء، ثم إلى ذلك الباب.
قلت بهدوء:
"لكن إذا لم ندخل، لن نعرف لماذا نحن هنا، ولن نُنقذ أرواحهم… ولا أنفسنا."
ثم تقدّمت نحو الباب، ومددت يدي لأفتحه.
كانت يدي ترتجف، لكني كنت مصممة.
وحين فتحت الباب، سقط الهواء فجأة، وكأن المدينة بأكملها توقفت عن التنفس.
وما رأيناه في الداخل… لم يكن متوقعًا.
صفوف من الأسرّة المعدنية الصدئة، وأجساد أطفال بلا وجوه، واقفين دون حراك… وكأنهم ينتظرون من يوقظهم.
"إنهم… نائمون؟" همست ميسان.
لكنني لم أجب… لأن صوتًا بداخلي بدأ يهمس لي:
"عودي… عودي إلينا… أنتِ واحدة منّا… الوقت انتهى يا رتال…"
وبدأ كل شيء ينهار من حولي.