بوابة الحقيقة
الجزء الثاني – الفصل الرابع: بوابة الحقيقة
كان كل شيء حولي غامضًا وموحشًا، كأنني دخلت إلى عالمٍ مختلف تمامًا عن كل ما أعرفه.
الظل الذي ظهر أمامي بدا كأنه ينبض بالحياة، عيناه تتلألأ كنجمتين في سماء مظلمة لا تنتهي، وكأنهما تحاولان أن تخبراني بسرٍ عميقٍ لا أستطيع فهمه بعد.
وقفت مشدوهة، لم أستطع أن أتحرك، شعرت بأن قلبي ينبض بقوة تكاد تُخرجه من صدري، وصوتي كان ضعيفًا حين همست:
"من أنت؟ وما هي الحقيقة التي تحملينها؟"
ابتسمت المرأة ببطء، وكانت ابتسامتها حزينة ومليئة بالأسرار التي لا توصف بالكلمات، ثم قالت بصوتٍ ناعم يحمل في طياته ثقل الزمان:
"أنا حارسة الأسرار، صوت الماضي الذي لم يُسمع، والعين التي ترى ما لا يراه الآخرون.
هذه المدرسة التي تقفين فيها ليست مكانًا عاديًا، بل هي بوابة بين عالمين مختلفين: عالم الحياة وعالم الموت،
عالم النور وعالم الظلال.
داخل جدرانها تسكن أرواحٌ لا تجد راحتها، بعضها يائسة تبحث عن خلاص، وبعضها الآخر عالقة في سجن من الظلام الأبدي."
بدأت أنفاسي تتقطع، وبدأت أُحس بثقل غير مُفسر يضغط على صدري، كأن شيئًا ما يريد أن يخنق روحي، فترددت وسألتها بصوتٍ متحشرج:
"وهل نحن أيضًا... عالقون هنا؟"
نظرت إليَّ بعينيها الغامقتين، وقالت:
"مصيرك أنتِ وميسان مرتبط ارتباطًا لا ينفصم بهذه الأرواح، لقد اختارتكِ تلك الأرواح شاهدةً على أسرارها الدفينة،
لكن هناك قوى لا تريدكِ أن تكتشفي الحقيقة، قوى مستعدة لفعل أي شيء لإبقائك في ظلمة الجهل."
ارتجف قلبي، لكن في داخلي اشتعلت شرارة الشجاعة، وقررت أن أواجه هذا المصير مهما كانت خطورته،
أردت أن أعرف كل شيء، حتى لو كان الثمن غاليًا.
بدأ الظل يتلاشى ببطء، كأنه يحترق تحت وهج الحقيقة، وظهرت أمامي نافذة صغيرة، تطل على منظر غريب،
مدينة مهجورة مغطاة بالضباب، أبنية متهدمة وأصوات غامضة تعلو من بعيد كأنها تنادي شيئًا مفقودًا.
اقتربت من النافذة بشغف، وكنت أشعر أنني أنظر إلى عالمٍ آخر، عالم مخفي خلف الحجاب، وراء الواقع الذي عرفته طوال حياتي.
سمعت صوت ميسان يقترب من خلفي، بنبرة متوترة:
"رتال! علينا أن نعود الآن، قبل أن تُغلق هذه البوابة."
التفت إليها وأجبتها بحزم:
"ليس بعد، أنا بحاجة إلى معرفة الحقيقة التي تبحث عنها هذه الأرواح."
بدأت خطواتنا تتردد بين الظلام والنور، بين الحقيقة والخيال،
وكانت الرحلة التي بدأت بها حتى الآن مجرد بداية،
وكان الطريق أمامي مليئًا بالأسرار التي يجب أن أكتشفها، رغم الخوف الذي يكاد يخنقني.