رحلة إلى الظلام
الجزء الثاني – الفصل الثالث: رحلة في الظلام
نظرت إلى ميسان، كانت عيناها تملؤهما القلق والخوف، ولكنها لم تحاول منعي، بل ربما شعرت أن قراري هذا هو الوحيد المتاح. كان الهواء بارداً جداً حول الفتحة الصغيرة التي فتحت أمامي في أرض الغرفة، وكأنها باب لعالم آخر. لم يكن بوسع أحد أن يعرف ماذا ينتظرني هناك، لكن ذلك الصوت الناعم الذي ناداني بشوق وحنان جعل قلبي يهتز.
قلت لنفسي بصوت منخفض: "رغم كل شيء... علي أن أذهب."
وضعت قدمي على الدرَج الخشبي الضيق، وكان كل خطوة تأخذني إلى عمق مظلم يكاد يبتلع كل ضوء. لا أستطيع رؤية نهاية هذا السلم، لا شيء سوى الظلام الحالك من حولي. كان هناك صوت خفيف، مثل أنفاس تتنفس ببطء، تزداد وتيرتها بين الحين والآخر، تصدر من أعماق ذلك النفق الذي أنحدر إليه.
مع كل خطوة، شعرت وكأن قلبي يختلج في صدري بشدة، وكأن شيئاً غريباً يحاول أن يتسلل إلى روحي، أو ربما يحاول أن يرسل لي رسالة. فجأة، لمست يدي شيئاً باردًا وخشناً، كنت أحس أنه شيء صلب. أمسكت به بحذر شديد، فكان كتاباً قديمًا مهترئاً، مغبرًا للغاية. غلافه جلدي ومتقشر، بدا لي وكأنه حمل أسرار العالم كله بداخله.
جلست على أحد الدرجات، وفتحت الكتاب بحذر، كأنني أخشى أن يستيقظ شيء داخله. كانت الصفحات مصفرة، مكتوبة بخط يد دقيق وأنيق، ولكن الكلمات التي قرأتها لم تكن كلمات عادية، بل كانت رسائل مشفرة، تتحدث عن أناس رحلوا وأرواح لم تجد السلام، عن حكايات دفينة وغامضة عن المدرسة التي نحن فيها، وعن أسرار كانت مخفية عن الجميع.
بدأت الكلمات تتحرك ببطء أمام عيني، كأنها تنبض، وتتحول إلى صور في ذهني. رأيت وجوهاً مألوفة وغريبة في آن واحد، أناساً فقدوا حياتهم هنا، كان أحدهم فتاة شبيهة بي تماماً، بعيون مشرقة، وقلب ينبض بالشجاعة، لكن مصيرها كان مجهولاً.
فجأة، انطفأ الضوء الذي كان يأتي من أعماق الدرج، وتحولت كل شيء إلى ظلام دامس. شعرت بهزة خفيفة تحت قدمي، وكأن الأرضية التي أقف عليها بدأت تتحرك ببطء، تنزلق بي نحو الأسفل. ارتفعت دقات قلبي حتى كدت أسمعها تدق في أذنيّ، لكنني لم أستطع التحرك، كنت مأسورة في مكانها، تسحبني قوة غامضة إلى الأسفل.
وسرعان ما ظهر أمامي نور خافت، ووجدت نفسي في ممر ضيق، محفور في الصخر، تكسوه نقوش غريبة وأشكال غامضة. كانت الجدران تتلألأ بحركة غير مفهومة، وكأنها تحكي لي قصة قديمة جداً. تقدمت بحذر، وكان الصمت يسود المكان إلا من صوت تنفس خافت ينبعث من أرجاء الممر.
وصلت إلى غرفة صغيرة، كان بها طاولة خشبية مهترئة، وعلى الطاولة وضع قديم يعود لقرون مضت، مغطى بالرموز القديمة التي لم أتمكن من فهمها كلها. كان هناك رسالة ملفوفة بورق قديم، فتحتها، ووجدت كلمات مكتوبة بخط جميل تقول:
"رتال، أنتِ من اختارتك الأرواح، لديك القدرة على كشف الأسرار التي لا يجرؤ أحد على مواجهتها. ولكن احذري، فالظلام الذي ستدخليه قد لا يرحم."
عادت أصوات الهمسات من جديد، لكنها هذه المرة كانت أقرب وأوضح. بدأت تهمس بأسماء أشخاص لم أسمعها من قبل، لكنها كانت مألوفة في قلبي.
سمعت صوتاً ناعماً خلفي يقول: "هل أنت مستعدة، رتال؟ هل تريدين الحقيقة كاملة؟"
التفت ببطء لأجد أمامي ظل امرأة ترتدي ثوباً أبيض، وجهها غير واضح، لكن عينيها كانتا تلمعان كنجمتين في ظلام الليل.
أدركت أنني وصلت إلى نقطة اللاعودة.