الممر الذي لا يتنفس
الجزء الثاني – الفصل الثاني: الممر الذي يتنفس
وقفت أمام الممر الطويل مع ميسان، صمتنا كان ثقيلاً، والجو حولنا مشحون بالخوف والرهبة. كان الممر يمتد أمامنا بلا نهاية واضحة، يلفه ضباب كثيف ينبعث منه همسات وأصوات لا أستطيع فهمها، لكنه كان يتنفس. نعم، كان الممر يتنفس ككائن حي، يزفر ببطء وبهدوء، وكأنه ينتظرنا لندخل فمه المظلم.
نظرت إلى ميسان وقلت لها: "إما أن نكمل ونكشف الأسرار، أو نعود إلى حياتنا هذه، لنعيش في خوف دائم." أومأت برأسها، وبدت عينيها تقولان: "أنا معك مهما حدث."
خطونا الخطوة الأولى، فصدر عن الأرض صوت غريب كأنها تتألم. استمرينا في السير، وكل خطوة نخطوها كانت تفتح أمامنا شيئاً من ماضي هذه المدرسة المهجورة.
فجأة، ظهر على الحائط الأيسر صورة قديمة، صورة صف دراسي مع معلمة تقف خلف الطلاب. اقتربت منها وتمعنت في الوجوه، إذ توقف قلبي عندما رأيت أن وجوهنا أنا وميسان كانت موجودة بين وجوه الطلاب.
همست ميسان بدهشة: "رتال... هذه وجوهنا."
أجبتها والدهشة تملأني: "لكننا لم نر هذه الصورة من قبل. كيف وصلت إلينا؟"
كانت الصورة قديمة جداً، صفراء ومهترئة، مكتوب أسفلها تاريخ: ٢٣ فبراير ١٩٩٩.
لم أكن قد ولدت بعد، كيف ظهرت صورتي في تلك الصورة؟
شعرت بشيء يجرني من طرف قميصي، التفت بسرعة، فلم أجد أحداً. لكن الجو أصبح ثقيلاً، الهواء كان كأنه يضغط علينا، وكأن شيئاً ما لا نراه يحيط بنا.
قالت ميسان بصوت مرتجف: "رتال... الجدار... يتحرك."
نظرت إلى الجدار، ورأيت كيف بدأت الحواف تضيق ببطء، وكأن الممر يرفض وجودنا، أو يحاول دفعنا نحو النهاية.
ركضنا بأقصى ما نستطيع، حتى وصلنا إلى باب صغير مفتوح قليلاً ينبعث منه ضوء أزرق خافت. دخلنا الغرفة.
كانت الغرفة صغيرة، وفي وسطها كرسي خشبي تعلوه مرآة كبيرة، وعلى الطاولة المجاورة كان هناك دفتر قديم مغبر.
فتحت الدفتر، وكانت الصفحة الأولى مكتوبة بخط طفولي تقول:
"هذه ليست مدرسة، هذه مقبرة ذكريات."
رفعت رأسي لألقي نظرة في المرآة، وهناك رأيت شيئاً لم أكن أتوقعه.
رأيت ميسان مكبلة خلفي، وطفل غريب يقف بجانبها مبتسماً لي. وجهه نصفه مظلل، ونصفه الآخر محترق، وعيناه واسعتان بلا لون، فقط بياض غريب.
التفت بسرعة، لكن الغرفة كانت فارغة، والمرآة فقط كانت تعكس الحقيقة.
صرخت: "ميسان! انظري خلفك!"
التفتت مذعورة، ثم نظرت إلى المرآة وصرخت بدورها: "رتال! ماذا يحدث؟!"
قبل أن نتحرك، أغلق الباب بقوة وبدأت الغرفة تهتز. بدأت المرآة تتشقق وتسيل منها دماء حمراء كثيفة.
التفت إلى الدفتر مجدداً، فوجدت الكلمات تتغير أمام عينيّ وكأنها تكتب نفسها:
"واحد خرج... والباقي ينتظر."
اقتربت ميسان مني وأمسكت بذراعي، وقالت بصوت مرتجف: "ماذا يعني هذا؟ من خرج؟ هل نحن؟ أم أحد منهم؟"
لم أجد جواباً، لكن الأرض بدأت تهتز بشدة، وتحرك الكرسي في وسط الغرفة كما لو أن شخصاً غير مرئي جلس عليه.
ثم سمعنا صوت طفل خافتاً قادماً من الظلام يقول:
"لماذا عدتم؟ كنا هنا بسلام."
تجمدت في مكاني، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قالت ميسان: "هذا نفس الصوت الذي سمعته في الغرفة الأولى... لم يتغير."
قلت بصوت مرتجف: "لم نأت لنؤذيكم، بل لنكشف الحقيقة."
فجأة توقفت الهزات، وهدأت الغرفة، لكن خطوات صغيرة بدأت تقترب منا من الحائط المقابل.
فُتح باب صغير في الأرض، ينبعث منه صوت تنفس ثقيل متقطع.
قالت ميسان بسرعة: "لا نقترب! هذا ليس طبيعيًا!"
لكن شيئاً غريباً جذبني نحو الفتحة، شعرت أن قوة ما تستدعيني.
نظرت داخل الفتحة، ورأيت درجاً ضيقاً ينزل إلى أعماق مظلمة لا نهاية لها.
وسمعت صوت أنثوي ناعم يناديني من الأعماق:
"رتال... تعالي، أنت تشبهينني."
رفعت رأسي نحو ميسان وقلت بثقة: "أنا سأدخل "