الظل الذي لا ينعكس
الجزء الثاني – الفصل الأول: "الغرفة التي تبتلع الأصوات"
كنت أقف وحدي... لا، كنت أطفو.
الأرض لم تكن أرضًا، والجدران لم تكن جدرانًا. كل شيء أبيض. ناصع. مرعب.
كأنني محاطة ببياض يخنقني، لا يرحم. لا ميسان. لا صوت. لا حتى صدى لأنفاسي.
صرخت.
أقسم أنني صرخت بكل قوتي. لكن... صوتي لم يخرج.
تحسست حنجرتي، لم يكن هناك ما يمنعني من الكلام، لكن الغرفة هذه... كأنها تبتلع الأصوات، كأنها تكره الضجيج.
تقدّمت. لا أعرف إلى أين، فكل الجهات متشابهة.
كلما خطوت، شعرت أن البياض يتمدد من حولي، يلتف على قدميّ، يحاول أن يبلعني ببطء.
ثم رأيتها.
ساعة… معلّقة على الجدار الوحيد الذي بدا مختلفًا قليلاً.
كان في ذلك الجدار ظلٌّ… نعم، ظلّ، لكنني لم أكن أقف أمامه.
الساعة كانت تشير إلى ١٢:٤٤. لا تتحرك.
مجرّدة من الزمن، كأنها تنظر لي بتحدٍّ.
اقتربت منها، رفعت يدي لألمسها، لكن فجأة… لم تكن وحدي.
رأيت… نفسي.
نسخة مطابقة لي، لكن عيناها سوداوان بالكامل.
كانت واقفة في المرآة التي لم تكن هناك قبل لحظة.
ابتسمت لي. ابتسامة مائلة، باردة، كأنها تراقبني منذ زمن.
أنا لم أبتسم.
أنا لم أتحرك.
لكن هي… رفعت يدها ولوّحت لي، وكأنها تسخر.
ارتجفت. تراجعت خطوة للخلف، لكن الجدار من خلفي لم يكن موجودًا.
كادت قدماي تنزلقان، لكني تماسكت.
فجأة، سمعت صوتًا.
ولأول مرة منذ دخولي هذا المكان… سمعت صوتًا!
كان صوتي… لكنه لا يشبهني. كان صوتًا أجوفًا، يتردد من كل مكان:
ــ "تأخرتِ… لقد استيقظوا."
ــ "من؟ من أنتم؟" صرختُ دون صوت، لكنهم سمعوني على ما يبدو.
ــ "نحن من دفنتمونا… والآن، جئنا نبحث عنكم."
الغرفة بدأت تهتز. لا، ليست الغرفة… أنا من تهتز.
رأسي يدور. الجدران تنصهر.
صوت الصراخ عاد.
همسات… صرخات… أطفال… ضحك مشوّه…
كل الأصوات التي ابتلعتها الغرفة، بدأت تخرج دفعة واحدة، كأنها كانت محبوسة منذ قرون.
ركضت. لا أعلم إلى أين، لكن كل شيء اختفى فجأة.
ووجدت نفسي… واقفة أمام باب خشبي قديم، نصف مفتوح، يخرج منه نور خافت… وصوت أعرفه جيدًا.
ميسان.
تقدّمت ببطء نحو الباب، يدي ترتجف، وقلبي يكاد يقفز من صدري. لم أكن أعلم إن كان ذلك الصوت الحقيقي لميسان… أم مجرد فخ جديد من هذه الغرفة المجنونة.عت كفي على الخشب البارد دفعت الباب بهدوء
ورأيتها.
ميسان… جالسة على الأرض، تضع رأسها بين ركبتيها، وشعرها مبلل، يلتصق بعنقها، ترتجف كطفلة ضائعة. كانت تهمهم بكلمات غريبة… لم أفهمها في البداية.
ركضت نحوها، جثوت إلى جانبها، أمسكت بكتفيها:
ــ "ميسان! أنا هنا! تسمعيني؟"
رفعت رأسها ببطء… لكنها لم تكن نفسها.
وجهها شاحب، عيناها غائبتان، وشفتيها تتحركان دون وعي.
ــ "١٢:٤٤... ١٢:٤٤... ١٢:٤٤..." كانت تكررها، وتشدّ على يدي.
ــ "ميسان، هذا رقم الساعة... شو يعني؟ شو شفتي؟"
همست بصوت خافت، يكاد لا يُسمع:
ــ "كانوا هنا… أطفال… كثيرون… يمشون في الممرات، لا يتكلمون… فقط يصرخون."
نظرت حولي… كانت الغرفة التي نحن فيها مختلفة عن تلك البيضاء. هذه مظلمة، رطبة، مليئة بالضباب، والجدران مغطاة بكتابات قديمة… كلها مكتوبة بأصابع صغيرة، كأنها نقشها أطفال بأظافرهم.
اقتربت من أحد الجدران، أقرأ:
ــ "أنقذونا… لم نكن نلعب… نحن لم نختر هذه النهاية."
شعرت بشيء بارد يلمس ظهري، استدرت بسرعة، لكن لا أحد.
ميسان بدأت تبكي. ليست دموعًا عادية… كانت سوداء.
صرخت:
ــ "كفاااااااااااااااااااااااااا!"
وانطفأ كل شيء.
الغرفة… الأصوات… حتى جسدي، كأنني سقطت في فراغ مظلم لا نهاية له.
وعندما فتحت عيني، وجدت نفسي وميسان داخل ممر المدرسة من جديد… لكنه كان مختلفًا.
لم يكن كما تركناه في الجزء الأول.
الجدران تآكلت، الأرض مغطاة بطبقة من الرماد، والسبورات مكسورة، والصور القديمة للطلاب كانت محترقة.
ميسان أمسكت بيدي بقوة:
ــ "رتال… أظننا عدنا للمكان الذي بدأ فيه كل شيء."
نظرت إلى الحائط بجانبنا… وهناك، على الطباشير الأسود، كُتبت جملة واحدة فقط، بخط أنيق وواضح:
"بدأت الصرخة… ولم تنته بعد "