امرأة الرماد - الفصل الثالث - بقلم بتول حسن بزور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: امرأة الرماد
المؤلف / الكاتب: بتول حسن بزور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

--- الفصل الثالث: الكيان الرمادي لم يعد يوسف يعرف ما هو حقيقي وما هو وهم. لم يكن ينام، ولا يأكل، بل صار يعيش في حالة نصف يقظة، تتداخل فيها ذكرياته مع ظلال لا يفهمها. بدأ يرى أشياء غريبة في المكتبة، أشياء لم تكن هناك من قبل. في ليلة مظلمة، جلس في منتصف المكتبة، وأطفأ الأنوار كلها، تاركًا شمعة وحيدة تشتعل أمامه. كان يحاول أن يتبع شيئًا في داخله، صوتًا خافتًا يلح عليه بأن يقرأ كلمات ليست من لغته، كلمات ينبعث منها برودة غير طبيعية. تمتم يوسف بعبارات غريبة، وكأنها تعويذات قديمة، لم يفهم معناها، لكنه شعر أن ترديدها يفتح شيئًا ما. مع كل كلمة قالها، بدأ كتاب يسقط من أحد الرفوف. عندما فتحه، وجد أنه بلا عنوان، صفحة بيضاء في البداية، ثم تظهر عليها تدريجيًا خريطة مشوشة لمكان يشبه المكتبة لكنه في بعد آخر، مليء بالأبواب المغلقة والمرايا المتكسرة. على صفحات الكتاب، وجد قائمة بأسماء مختصرة: "نايف"، "حنان.س"، "يوسف.ن". وفي الصفحة الأخيرة، كانت هناك جملة واحدة مكتوبة بحبر رمادي باهت: > "لكل صورة ظل. ولكن ليس لكل ظلّ اسم." تذكّر يوسف الكيان الرمادي الذي رآه من قبل، ذلك الكائن الغامض الذي لا يكاد يرى ملامحه بوضوح، سوى عينيه اللامعتين كالليلك. عاد إلى الطابق العلوي، حيث وجد الباب الغامض الذي ظهر فيه الكيان. فتح الباب، ودخل الغرفة التي كانت مختلفة تمامًا. الآن، الغرفة خالية سوى كرسي خشبي محاط بأربع مرايا كبيرة. جلس يوسف على الكرسي، ونظر في المرايا. كل مرآة عكسته بشكل مختلف: واحدة أظهرت وجهه طفلاً صغيرًا، بريئًا لكنه حزين. أخرى أظهرت رجلاً عجوزًا، وجهه مليء بالتجاعيد وآثار الزمن. الثالثة أظهرته شابًا بملابس رسمية، قاسي الملامح، كأنه رجل أعمال أو جاسوس. أما الأخيرة، فكانت صورة بلا وجه، مجرد ظل داكن. فجأة، ظهر الكيان الرمادي من أحد الزوايا، واقترب وهمس: > "أي من هؤلاء أنت؟ اختر، أو سأختار أنا." وقف يوسف، يشعر بأن حياته كلها مجرد اختبار بين هذه الصور. هل هو الطفل الذي فقد براءته؟ أم الرجل العجوز الذي يحمل حكمة السنوات؟ أم ذلك الشاب الذي يختبئ خلف قناع؟ أم الظل الذي لا يملك اسمًا؟ أدرك في تلك اللحظة أن المرآة ليست مجرد زجاج مكسور، بل بوابة لأجزاء متعددة من ذاته، وعلية أن يختار أيها سيبقى، وأيها سيموت.