امرأة الرماد - الفصل الثاني - بقلم بتول حسن بزور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: امرأة الرماد
المؤلف / الكاتب: بتول حسن بزور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

--- الفصل الثاني: تحت الغبار مرت أيام على الحادثة التي غيرت حياة يوسف، ولم يعد كما كان. المكتبة التي أحبها صارت له أشبه بسجن من جدرانها العالية وصمتها المريب. كان يجلس بلا هدف بين الرفوف، يحدّق في قطع المرآة التي احتفظ بها داخل علبة خشبية صغيرة، محاولًا أن يفك لغزها الذي بدأ يلتهمه شيئًا فشيئًا. الباب الوهمي الذي رآه في المرآة لم يعد يظهر، لكن إحساسًا خانقًا بدأ يتسلل إليه، كأن المكتبة تضيق كل يوم أكثر، والجدران تتحرك ببطء نحوه، تحاصر روحه مع كل ثانية تمر. في زاوية مهجورة من المكتبة، وجد يوسف دفاتر قديمة كانت تخص والده، مكتوبة بخط عربي غريب، كأنها مرآة من الكلمات، تبدأ من اليسار إلى اليمين، بعكس ما اعتاد عليه. في هذه الدفاتر إشارات إلى مفاهيم غامضة: "العين الثالثة"، "المنعكس الصامت"، و"أرشيف الهويات غير المكتملة". كل صفحة كانت تُلقي عليه المزيد من الأسئلة، وبريق الغموض في عينيه يزداد كلما قرأ أكثر. هل كانت هذه مجرد رموز؟ أم مفاتيح لأسرار قديمة دفنت في ذاكرة العائلة؟ في ظهر إحدى الصفحات، وجد كتابة بخط والده تقول: "إذا قرأت هذه الكلمات، فأنت تجاوزت حد الإدراك. لا تثق بما تراه، ولا بما تتذكره. اختبر كل شيء: صوتك، ظلّك، حتى خوفك. حين تجد الصفحة البيضاء… أكتب اسمك الحقيقي." هذه العبارة جعلت يوسف يتوقف كثيرًا. ماذا يعني "اسمه الحقيقي"؟ هل هناك أسماء متعددة؟ هل يوسف مجرد اسم مؤقت، أو نسخة من أصل آخر؟ قرر أن يبحث أكثر في زوايا المكتبة، حتى وجد صندوقًا خشبيًا قديمًا مخبأ تحت درج المكتب. عندما فتحه، وجد جهاز تسجيل صغير، ووثائق مشروخة تعود لعام 1987، سنة قبل أن يولد. وضع الشريط في الجهاز، وسمع صوت والده بوضوح رغم الزمن: > "لقد وصلنا إلى الحد… النموذج الأول انهار بعد خمس تجارب. النموذج الثاني بدا مستقرًا لكنه بدأ يرى الباب. هذا خطير. إذا عرف الحقيقة، فلن نستطيع إعادة الأمور إلى نصابها. يجب حبس المرآة، أو تدميرها." توقف التسجيل، وأدرك يوسف أن المرآة ليست مجرد شيء عادي، بل نافذة إلى واقع أعمق وأخطر مما يتخيل. في تلك الليلة، بينما كان يسير بين الرفوف، سمع همسًا خافتًا من الظلام: "اقتربت… بقي القليل." توقف، استدار… لكن لم يكن هناك أحد. هل هي دعوة؟ أم تحذير؟ يوسف لم يكن يعلم أن رحلته في عمق المرآة ستبدأ الآن فقط.