سيدة الوحش ( رواية مصرية خيالية رومانسية ) - الفصل التاسع: - بقلم mayah - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سيدة الوحش ( رواية مصرية خيالية رومانسية )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل التاسع:

الفصل التاسع:

أول ما دخلوا أول محل، كانت ربى ماشية بخطوات هادية، لكن عيونها فيها لمعة مش معتادة… زي طفلة أول مرة تدخل ملاهي. قربت من أول رف، ومدّت إيدها تلمس قماش بلوزة نعناع، وابتسمت وهي تحسسها بين صوابعا كأنها بتحس بالدنيا من جديد. ابتدت تاخد كل حاجة تعجبها من غير ما تسأل أو تتردد… بلوزة لونها لبني، تنورة بيج، سكارف بينك، شال بنفسجي، حتى شنطة صيفي بلون أبيض لؤلؤي. لكن الملفت؟ إنها ما قرّبتش من أي حاجة غامقة. ربى، اللي عمرها ما لبست غير الأسود والكحلي، النهارده كانت بتختار ألوان فيها حياة… كأنها بتحاول تخرج من ضل نفسها. كانت بتدوّر في المراية وهي تضحك، تمسك بلوزة قدامها وتقول "دي؟ ولا دي؟" وهي أصلاً ما كانتش مستنية رد… كانت مستمتعة بالحاجة نفسها. وفي كل مرة تخلص، تمسك الشنطة وتمدّها لناجد "دي كمان… يلا يانجاد " وكأنها نست انها بتكلم الوحش وناجد؟ كان ساكت، ما بيندهش ولا بيعلّق، بس بيشيل. شنط ورا شنط… لحد ما بقوا عاملين زفة حواليه. وفي محل الأدوات، نفس الحكاية… ألوان، دفاتر، أقلام، اي حاجة كانت تعجبها تجيبها وتعطيها لناجد يحملها زين، اللي كان واقف بعيد بيراقب، قرب وقال وهو بيحاول يكتم ضحكته " باشا… تحب آخد عنك شوية شنط؟" بس ناجد لف له بنظرة صامتة، وقال من غير ما يغير نبرة صوته "أنا تمام." زين بص له باستغراب، وبعدها بص للشنط اللي مالية إيده، وفكر بينه وبين نفسه "هو ده ناجد؟ اللي كان يخلي الشركة كلها واقفة على رجل؟ دلوقتي شايل شنط وردي وبنفسجي وبيمشي ورا مراته !" لكن الحقيقة أعمق… ناجد ماكنش منزعج أبدا ، لا من أنه ربى بتصرف كتير او من أنه يشيل حاجاته بالعكس تماما ... وفي آخر محل، وقفت قدام المراية، لابسة فستان بلون سماوي هادي، ناعم كأن النسمة لامساه، وشعرها مربوط بسيط كده… شكلها كان مختلف، خفيف، جديد. بصّت لنفسها في المراية شوية، وبعدين لفّت عليه، وقالت "ناجد؟… ينفع آخد رأيك؟" كان واقف قريب، بس مش اوي، ماسك شنطتين كبار بإيديه، أول ما سمعها، رفع عينه… وبص لها. سكت. فضل يبصلها… وهي بتستناه يقول حاجة، أي حاجة، لكن مفيش صوت. الثواني عدّت تقيلة. ربى بصّت تاني لنفسها في المراية، وبصوتها اللي بدأ يتكسف، قالت بحزن خفيف "يعني مش لايق عليا؟" ساعتها، ناجد خد نفس قصير، وقرّب خطوة وقال بصوت هادي، بس صادق أوي "لا… حلو … والفستان طالع جميل عليكي." ربى رفعت عنيها له، واتفاجئت. مش بس بالكلام، باللحظة نفسها. ابتسمت، ابتسامة صغيرة كده، مكسوفة وفرحانة، وقالت وهي بتبص للمراية "أول مرة تقولّي حاجة زي كده…" هو لفّ وشه للناحية التانية بسرعة، وبص لباب المحل وقال وهو مرتبك "أنا… ماليش في الحاجات دي… وماعرفش أقول الكلام ده." بس قاله. وربى؟ فضلت تبصله، والبسمة على وشها مش راجعة… مش علشان الكلام، لأ، علشان هو اللي قاله. علشان ناجد، اللي عمره ما مدحها ولا اهتم، النهاردة بيشوفها… وبيقول. وزين؟ كان شايف من بعيد، وابتسم لنفسه وقال بهمس "ده مش ناجد باشا اللي أعرفه… ده حد تاني خالص." _____ بعد ما خلصوا لف على المحلات، ربى كانت ماشية و شوية، عينيها علقت بحديقة صغيرة مش بعيدة، فيها شجر وكرسيين خشب وولاد صغار بيجروا ورا بعض. بس بدل ما تقول إنها عايزة تروّح هناك عشان عارفة إنه ناجد هيرفض بحكم التعب و كثرة المشاوير ، بصّت لقدام وهمست بصوت ضعيف وهي بتبص لناجد "أنا تعبت شوية… ممكن نرتاح؟" ناجد، اللي كان شايل آخر كيس بإيده، بص لها، وابتسم ابتسامة خفيفة كده، كأنه بيقول لنفسه "أنا اللي تعبت من الشنط، مش إنتي…" بس افتكر فجأة. "أكلتي حاجة؟" سألها بصوته اللي دايمًا هادي، لكنه المرة دي كان فيه قلق واضح. ربى ماكنتش متوقعة السؤال ده… اتفاجئت شوية، وبصت له باستغراب قبل ما تهز راسها بالنفي:ط "لأ… نسيت بصراحة." ناجد ضيّق عينه وقال لزين، من غير ما يبص له "زين، روح هاتلنا حاجة للاكل بس ماتكونش فيها سكر كتير " زين قال "تمام يا باشا" ومشي بسرعة. وربى؟ كانت ماشية جنبه، دلت له على المكان اللي شافته وقالت "فيه مكان هناك… ممكن نقعد فيه لحد ما يرجع." وافق من غير كلام، ومشي معاها لحد ما لقوا كرسيين خشب جنب بعض، قاعدين تحت شجرة صغيرة، والهوى بيعدّي بخفة. ربى قعدت،، وناجد فضل واقف على جنب، طلع موبايله، واتصل بأيوب. "أيوب… تعالى خدنا من المكان اللي هبعتهولك دلوقتي، أنا هبعتلك اللوكيشن على طول، ما تتأخرش." أول ما قفل، بص لها وسألها بقلق واهتمام "عاملة إيه دلوقتي؟" ربى حركت كتفها وردت "أنا متعودة… الموضوع بيجي ويمشي. من زمان وأنا بتعامل مع الدوخة دي، بتبقى لحظة وتعدي." سكتت، وبصّت للمنظر قدامها. فيه طفل صغير بيضحك وهو بيجري ورا حمامة، والحمام بيطير شوية ويرجع للأرض، والسماء ابتدت تميل للبرتقالي مع بداية المغرب. زين رجع بسرعة، كان ماسك علبة عصير وكيس فيه حاجة حلوة. "اتفضلي يا مدام." ربى ابتسمت له وقالت "شكرًا يا زين " زين هز راسه وسحب نفسه بهدوء، ورجع يوقف بعيد كعادته. ربى بدأت تاكل … كانت جعانة أكتر مما كانت فاكرة، خلصت الأكل بسرعة وقالت "أنا شبعت." ناجد مد إيده وخد منها الكيس، حطه في حجره من غير كلمة، وفتح قارورة الميّة وقدمها لها. هي خدت القارورة، شربت شوية، وبعدها رجعتها له، وهو رجّعها تاني في الكيس. وساعتها، ومن غير أي تفكير، ربى أسندت راسها على كتفه. ناجد شد نفسه للحظة… جسمه اتجمد، كأنه مش فاهم الحركة دي جاية منين… بس ما علّقش. ربى، من ناحيتها، كانت مغمضة عنيها، وقالت بصوت واطي وهي بتبتسم "الهوى هنا حلو… ريحته منعشة… المكان ده عجبني أوي." ناجد بص لها من ورا كتفه وقال بابتسامة خافتة "لو عايزة نفضل هنا شوية… مفيش مشكلة." ربى ما ردتش بكلام، بس ابتسامتها كانت كفاية. وسكتوا هما الاتنين… كل واحد فيهم شايف نفس المشهد: سما بتغرب، وأصوات أطفال بتضحك، وحمامة بتطير، ونسمة هوا خفيفة… بس جواهم، كان في حاجة بتتغيّر. هدوء ناعم، ومودة بتنمو من غير ما يتقال عنها اسم. ______ الساعة كانت لسه تمانية الصبح، والجو منعش كده بس فيه شمس خفيفة بتدفّي الدنيا. قدام بوابة الجامعة، الزحمة كانت بتكبر، عربيات بتوصل الطلبة، وأصوات ناس بتضحك، وطلبة داخلة وخارجة وكل واحد شايل شنطته، رايح لعالم جديد. ربى كانت قاعدة في الكرسي جنب مكان السواق، ساكتة، وبتبص من الشباك على المباني العالية اللي كانت زمان بتشوفها من بعيد وتحلم تكون جواها. الحلم اللي فضل سنين محبوس جوا قلبها، اتحقق أخيرًا… بس دلوقتي قلبها بيدق بسرعة، مش قادرة تتحرك. ناجد كان واقف بعيد شوية، بيكلم في الموبايل بصوت منخفض، ونبرته ثابتة كعادته "أجل الاجتماع للمساء… لو في أي تغيير بلغني، بس دلوقتي مشغول." قفل الخط، ورجع ناحيتها، خطوته واثقة، سهل تميّز فيها إنه مش راجل عادي… لأ، ده راجل متعوّد ياخد قرارات، يوجّه، ويتحكم في مجريات الأمور. فتح باب العربية، وبص لها وهو بيقول بهدوء "يلا " ربى نزلت، رجليها كانت تقيلة، وحواسها كلها متلخبطة. أول ما وقفت قدّام بوابة الجامعة، حسّت بعيونها بتدمع. البوابة دي كانت حلم بعيد، كانت بتعدّي من قدامها وهي صغيرة، وتحلف إنها هتدخلها في يوم… لكن عمّها وقف الطريق. سنين راحت من عمرها وهي بتبص على غيرها بيعيش الحلم، وهي محبوسة في مكان مش بتاعها. رفّت عنيها بسرعة، ومسحت دموعها، لكن التوتر مسيطر عليها. نفسها تقوله إنها خايفة. وفجأة، ومن غير ما تحس، مدّت إيدها ومسكت إيده. ضغطت عليه بخفة… بس بالنسبالها كانت زي اللي بيستغيث. ناجد بص لها، ساب إيده ترتاح جوا إيدها، وسكت ثواني… بعدين تنهد، وقرب منها شوية. قال بنبرة هادية لكنها حاسمة، كأنه بيتكلم في اجتماع مهم "الرهبة دي أول علامة إنك داخلة على حاجة كبيرة… بس متنسيش، أنتي هنا بمجهودك، مش منّة من حد." ربى بصت له، صوت قلبها لسه عالي، لكن كلامه دخل جوّاها زي الأمان. كمل وهو بيشاور بعينه ناحية المبنى "اللي جوه دول زَيّك… كلهم جايين يتعلموا. الفرق إنك عندك دافع. واللي عنده دافع، دايمًا بيتفوّق." سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة أخف " دلوقتي ادخلي… وانا هجيلك آخر الدوام" ربى أخدت نفس عميق، ابتسمت ابتسامة صغيرة، ولسه ماسكة إيده، "شكرًا… ناجد بجد شكرا ناجد شد إيده بهدوء، وعدّل جاكيت بدلته وقال وهو بيبص للساعة " يلا بشوفك " ومع كل توترها، خطت أول خطوة لجوه الجامعة… وسابت وراها راجل، واقف بسيارته، متفرّج عليها وهي بتمشي واول ماتاكد انها دخلت ركب سيارته ومشى . ______ وسط مول راقٍ في قلب القاهرة، كان ناجد ماشي بخطوة بطيئة غير المعتاد. الراجل اللي دايمًا بيقضي يومه في مكاتب مظلّلة، وغرف اجتماعات، ومكالمات مُشفّرة، دلوقتي بيتلفّت حواليه وسط عالم مليان شنط، عطور، وناس بتشتري على راحتها. هو مالوش في الجو ده خالص. لا بيعرف يختار هدايا، ولا بيحب المحلات، بس النهاردة كان فيه إحساس غريب جواه… "بقالنا شهر متجوزين… وهي ما أخدتش مني غير سكوتي." ربى كانت دخلت الجامعة النهاردة. أول خطوة حقيقية لحُلمها، وهو حسّ إن لازم يكون فيه حاجة منه توصلها، حتى لو مش بالكلام. كان لابس بدلة غامقة، ونظارته السُوداء، ووشه اللي دايمًا ماسك نفسه. بس عنيه كانت بتدوّر، بيدور على حاجة تليق بيها… مش أي حاجة. حاجة تمثّل أول يوم… وبداية. لف على أكتر من محل، دخل محل عطور، خرج. دخل محل شنط، لف، وخرج. كان بيقول لنفسه "هي بتحب إيه؟!… بتلبس دهب؟ لأ… مش كتير. بتحب الكتب؟ آه بس مش هروح أشتريلها كتاب في أول يوم جامعة!" تنهد بضيق، حسّ إنه تايه وسط كل الحاجات اللي مش بتشبهو. حدّق في وجه نفسه في مراية عرض، وقال جواه "أنا راجل عمري ما جبت هدية لحد…بس ليه هي بالذات؟" وفجأة، عينه وقعت على واجهة محل مجوهرات فخمة. الإضاءة كانت ناعمة، والصناديق الجلد فاخرة، والقطع جوّه بتلمع كأنها محطوطة في متحف مش محل. وقف ثواني، وبعدين دخل. المحل هادي، وريحة عطر خفيف فايح، واستقبال الموظفة بابتسامة مهنية "أهلاً بحضرتك، ممكن أساعدك؟" قال بنبرة هادية "بدوّر على قلادة… حاجة بسيطة بس راقية." الموظفة بدأت تفتح له صناديق، وكل واحدة أغلى من التانية، بس هو كان بيمر بعنيه على الكل، مش باصص للسعر، ولا سأل مرة عن الفلوس… الراجل ده، المال بالنسباله وسيلة مش هدف، وحاجة مش بتشغله… اللي كان شاغله دلوقتي، إنه يختار صح. وأخيرًا، وقف قدّام قلادة ناعمة، بس لافتة… سلسلة رفيعة من الذهب الأبيض، في نهايتها حجر كريم بنفسجي غامق – أميثيست – مرصّع حواليه دايموندز صغيرة. لون الحجر شدّه، كان فيه حاجة من هدوء ربى، ومن قوتها في نفس الوقت. سأل الموظفة "اللون ده… له معنى؟" ردت بابتسامة "الأميثيست بيرمز للحكمة، والصفاء الداخلي… وفي ناس بتقول إنه بيحمي من الطاقات السلبية." سكت ثواني، وبعدين قال "لفّيه." الموظفة " حاضر يافندم " دفع من غير ما يبص للرقم، وخرج من المحل والعلبة في إيده.