سيدة الوحش ( رواية مصرية خيالية رومانسية ) - الفصل الخامس: - بقلم mayah - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سيدة الوحش ( رواية مصرية خيالية رومانسية )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس:

الفصل الخامس:

ربى عدّلت جلستها على السرير، كانت لابسة بيجامة بسيطة، شعرها مفرود على كتفها، ووشها فيه ملامح توتر واندفاع. نظرت له، وصوتها كان بين الرجاء والحذر "أنا… كنت بفكر أقدّم في الجامعة." نجاد كان لسه واقف، متفاجئ، بص لها كأنها بتتكلم عن حاجة مش منطقية. "جامعة؟ ليه ؟" ربى أخدت نفس، وهي بتحاول توازن بين الحقيقة اللي جواها، والتمثيل اللي محتاجاه عشان توصل مشاعرها "عارف… من زمان وأنا نفسي أدرس، نفسي أشوف الجامعة من جوا… بس عمّي الله يسامحه كان شايف إن البنت ملهاش غير بيت جوزها، كان بيقفل الباب في وشي كل مرة أتكلم… كنت بحس إني محبوسة، محبوسة في حلم مش قادره ألمسه." سكتت لحظة، ووشها بقى فيه لمعة دموع خفيفة، بس بتكتمها "أنا عمري ما اتدلعت، ولا اتمنيت حاجات كتير… بس دي الحاجة الوحيدة اللي فضلت جوا قلبي، كل يوم." نجاد مش قادر يفهم، قال بنبرة هادية لكن حادة شوية "طب وإنتي ليه متخيلة إني ممكن أوافق؟ يعني أنا… مش شايف أي سبب يخليكي تدرسي. لو عايزة شغل، أو فلوس… أنا جنبك. قوليلي محتاجة إيه او نفسك في ايه، وأنا أجيبهولك مش لازم تعب الجامعة!" هنا ربى نظرت له، وفي عينيها حاجة كانت دايمًا بتظهر وقت الجد… نظرة مزيج غريب بين الإصرار والوجع والتحدي. قالت بصوت هادي لكنه مشحون "ولو أنا عايزة أحقق حلمي مش عشان أشتغل ولا عشان فلوس أنا… عايزة أتعلم بس كده. نجاد سكت، وفضل يبصلها كان باين عليه مش فاهم المشاعر اللي بتتحرك جواه إزاي دموعها خلت قلبه يوجعه إزاي لهجتها رجّت فيه حاجة مش عارف يسميها قرب منها شوية، وعينيه في عينيها وشاف النظرة دي… النظرة اللي صارت دايمًا بتخربط تفكيره هل هي نظرة وجع؟ ولا قوة؟ ولا يمكن خوف بيحاول يستخبى؟ لحظة صمت عدّت… ربى بداخلها بدأت تفقد الأمل قالت لنفسها "يمكن فعلاً الحياة مبتتغيرش… يمكن كنت بغرق في وهم." لكن فجأة… نجاد اتنهد وقال بصوته الهادي "تمام… إيه التخصص اللي نفسك تدرسيه؟" ربى اتسمرت مكانها، بَصّت له بصدمة "بجد؟ إنت… إنت موافق؟" هو ماجاوبش، بس إيماءة بسيطة من راسه كانت كفاية إيماءة فيها هدوء غريب، بس صادق. ربى من الفرحة نسيت نفسها مدت إيديها، ومسكت إيده بقوة "شكراً! شكراً بجد يا نجاد… أنا مش مصدقة!" إيديها على إيده، كانت حركة عفوية، بس ليها تأثير كبير عليه هو حس بلمستها… حس بحرارتها وبص لعينيها، اللي كانت مليانة حماس وفرحة بريئة قلبه دق، الدقة دي مكانش ليها تفسير… لكن كانت موجودة، وبوضوح سألها بهدوء "طب… نجحتي في الثانوية العامة؟" هزّت راسها بسرعة "آه، نجحت طبعا، في التخصص الأدبي. " نجاد بتساؤل مهتم " وعايزة تدرسي ايه ؟" ربى ابتسمت بسعادة وردت " فكرت كتير لقيت نفسي حابة أدرس إدارة أعمال…" طلبها للحظة بين أنه مجرد رغبة بريئة في تحقيق حلم قديم، لكن الحقيقة اللي مدفونة جواها كانت أكبر من كده بكتير. هي ماكنتش بس عايزة شهادة ولا تحقّق أمنية طفولية هي كانت بتخطط... بتفكر بعقلها مش بقلبها "أنا لازم أكون مستعدة… لازم أكون عارفة أتصرف ماينفعش أستنى رحمة حد ولا أعيش في نفس الضعف اللي عشت فيه قبل كده. أنا مش عايزة أكون الست اللي تتباع بعد ما الراجل يموت… اللي تترمي في الشارع أو في حضن أقرب طمّاع." ربى كانت عارفة إن نجاد مش هيفضل في حياتها طول العمر سواء بالقدر… أو بقراره هي بالنهاية غريبة عن عالمه عن طبقه عن كل حاجة تخصه عشان كده، لازم تكون مستعدة للي جاي لازم تتعلم تعرف تدير تفهم الحسابات تفهم القانون تفهم يعني إيه ورق، ويعني إيه توقيع، ويعني إيه ترِكة هي مش ناوية تسرقه . ولا تاخد أكتر من حقها بس على الأقل، تكون قادرة تبني لنفسها حياة كريمة حياة فيها سقف، وأمان، وكرامة كانت عارفة إنها في يوم من الأيام لازم تخلّيه، بطريقة ذكية، يكتب لها جزء من أملاكه مش كلها… لا هي مش طمّاعة بس كفاية اللي يخليها واقفة على رجليها لما يغيب كفاية اللي يخليها ماترجعش تعيش الذل تاني ولا تستنى رحمة عمها، ولا سكين الزمن رد بهدوء "تمام… هتدبّري ورقك، وأنا هشوف إزاي نبدأ." بعدين سألها وهو بيحاول يبان عادي "في حاجة تانية نفسك فيها؟" ربى هزت راسها، ملامحها كلها سعادة "لأ… كفاية عليا إنك وافقت." سكتت لحظة، وبصت له بنظرة امتنان، وقالت ثاني "بجد شكراً يا نجاد." وبعدها، دخلت في السرير، وتغطت، وهي قلبها بيرقص فرحتها كبيرة… أول خطوة نحو حريتها اتحققت خطوة عشان تبقى أقوى، وتبني نفسها بنفسها أما نجاد… فدخل على سريره، ووشه فيه علامات تعب بس قلبه مكانش هادي كان بيدق… كل ما يفتكر ضحكتها .ولمساتها ونظرتها فضل كده شوية، لحد ما غطى نفسه وقال بصوت واطي "في إيه اللي بيحصلي…؟" ______ في اليوم اللي بعده، كانت ربى قاعدة على طرف السرير بتقلّب في حاجات على الكومود، بتدور على شوية أوراق المفروض تديهم لنجاد، لكن كل ما تفتح درج تلاقيه فاضي. رفعت حاجبها بتوتر، وبدأت تدور في شنطتها، في الدولاب، على التسريحة… مفيش. حطت إيدها على جبينها وهي بتحاول تفتكر "هو أنا… أنا جبتهم أصلاً؟" وفجأة اتذكرت، شهقت شهقة خفيفة "يا نهار… نسيتهم! سبتهم عند عمي يوم ما رُحت أجيب حاجتي." وقبل ما تلحق تخرج من أوضة النوم، عينيها وقعت على شنطتها الطبية… كانت مفتوحة. اتجمدت في مكانها، وبنظرة متوترة قربت منها، لمحت من فوق إن الحاجات مش مترتبة زي ما كانت سايبها. "أنا… أنا قفلتها؟" قلبها بدأ يدق بسرعة، حسّت برجليها بتتلج، وسرعان ما قامت وقفلتها بسرعة قبل ما أي حاجة تبان. وفجأة… صوت باب الأوضة اتفتح، وظهر نجاد وهو داخل بياخد موبايله من فوق الكومود. اتخضت ربى، وزقت الشنطة بسرعة برجليها تحت السرير، وقامت واقفة وهي بتتصنّع التماسك. قالها بهدوء وهو ماسك موبايله "الورق؟" ببساطة ردت "آه… مش لقيته، شكلي نسيته في بيت عمي." هز رأسه بتفهم وهي كملت " هكلم عبير بنت عمي تبعتهولي ..." لكن قبل ما تكمل كلامها، قال فجأة "لأ، مفيش داعي. إحنا هنروح ناخده بنفسنا." ربى بصّت له مش فاهمة "نروح؟ فين ؟" قال وهو بيعدل ساعة إيده " بيت عمك، ناخد الورق وفي نفس الوقت أشوفه هو والعيلة، فأنا بالنهاية ماكنتش موجود آخر مرة جوا فيها البيت كنت مشغول." الصمت وقع على المكان، ووش ربى اتبدّل، صدمة حقيقية. "هو بيهزر؟ لأ دي مش كانت الخطة خالص." اتسابت كام ثانية تحاول تبتسم "بس… مش ضروري يعني، أكلم عبير وخلاص، أسهل وأريح…وانت مشغول و .." رفع عينه ناحيتها وقال بنبرة حاسمة ما تقبلش نقاش "ربى، قلت هنروح. خلصي ولبسي وأنا مستنيكي." ومشي، وساب الباب نصه مفتوح وراه. ربى فضلت واقفة في مكانها مش قادرة تتحرك. بصّت على نفسها في المراية، ووشها بدأ يتبدل من توتر لحزن. "إزاي وصلت للحظة دي؟ رايحة بيت عمّي؟ البيت اللي كل ما بعدت عنه حسيت براحة نفسية؟" تنهدت وهي بتقعد على طرف السرير، "أنا اللي كنت فاكراه انتهى… راجع تاني؟ هو أنا مستعدة؟" ______ بعد شوية ... ربى وقفت قدام المراية في أوضتها، بصّت لنفسها شوية، ووجهها باين عليه التوتر. فتحت الدولاب وسحبت منه بلوزة قطن بسيطة لونها رمادي غامق، لبستها مع بنطلون جينز كحلي، لفّت شعرها اللي كان سايب على كتافها وربطته بسرعة كعكة مهملة. مافيش ميكاب، بس حطت لمسة خفيفة من الكونسيلر تحت عينيها علشان تغطي التعب، ومسحت شفايفها بطرف منديل. نظرة أخيرة في المراية، صوت أنفاسها تقيل، وكأنها داخلة معركة، مش مجرد زيارة عادية. سحبت شنطتها الجلد الصغيرة، وخرجت من الأوضة بخطى مترددة. نزلت السلم وهي بتحاول تبان طبيعية، بس كل خلية في جسمها كانت بتصرخ. في الصالة، لقت نجاد واقف مستنيها، ساند على الترابيزة الصغيرة اللي في المدخل، لابس قميص أبيض مفتوح من فوق زرين وبنطلون أسود، شكله متأهب كعادته. أول ما شافها، اتعدل في وقفته، وسار بخطوات ثابتة ناحية الباب. فتح لها باب العربية من غير ما ينطق، وهي ركبت من غير كلام. قفل بابها، لف وركب من الناحية التانية، وبدأ يشغل العربية. طول الطريق، كانت ربى ساكتة، باصة من الشباك، بس مش شايفة حاجة. المباني بتمر قدام عنيها، بس هي في حتة تانية خالص. في عقلها، كل ذكرى وكل لحظة مرّت بيها في بيت عمها كانت بترجع، زي موج البحر لما يضرب في الصخر. نجاد لاحظ صمتها، بس ما سألش، كان بيرمي لها نظرات سريعة من طرف عينه، وكأنه بيحاول يفهمها، من غير ما يضايقها. هي، من ناحيتها، كانت بتفكر “أنا ماكنتش مفروض أرجع هنا… مش كده… مش دلوقتي… خصوصًا معاه. الزيارة دي ماحصلتش قبل كده… في الحياة اللي فاتت كنت دايمًا باهرب من اللحظة دي.” في وقت ما، كسر الصمت صوت نجاد "أنتي كويسة؟" بصت له بسرعة، عينها لامعة لكنها مقمحة، وقالت بهدوء "آه… تمام." مازودش، ولا هي زودت. رجعوا للصمت. وأخيرًا، العربية دخلت في الحارة اللي فيها بيت عمها. الحي قديم، الشوارع ضيّقة، البيوت متلاصقة، وريحتها معروفة… خليط ما بين أكل متشال من بدري، وذكريات تقيلة على القلب. ربى حسّت بمعدتها بتتقلّب. “أنا راجعة هنا؟ فعلاً؟” نجاد ركن العربية على جنب، نزل، وفتح لها الباب كالعادة. هي نزلت، ملامحها كانت ساكتة، بس جسمها كان مشدود. مشيت وراه لحد الباب، كل خطوة بتحسها أطول من اللي قبلها. هو مد إيده وضغط على الجرس، لحظات… وسمعوا صوت خطوات جاية من جوه. الباب اتفتح… ووش بسمة ظهر، بعينين واسعة دايمًا متحفزة. بمجرد ما شافت نجاد، ابتسامتها وسعت لدرجة مبالغ فيها. قالت بنعومة مصطنعة "ياهلا… يا أهلاً وسهلاً! نورتنا يا نجاد بيه! دا البيت نوّر والله." نادت بصوت عالي "إسماعيييل! تعالى شوف مين عندنا!" وقبل ما يرد، اتقدمت بسرعة ناحيتهم، حضنت ربى… الحضن كان طويل أكتر من اللازم. ربى اتجمدت مكانها، دراعها على جنب، جسمها مش قادر يرد الحركة. نظرة عنيها كانت فاضية. بسمة قالت وهي بتبوسها من خدها بلطف مزيف "يا روح قلبي! ما بتجيش ليه ؟" ربى همست ببرود "كنت مشغولة شوية." بسمة ما علقتش، كانت مشغولة تبص لنجاد، واللي واقف ساكت، بيراقب. وهي بتفكر انها لاول مرة تتكلم مع نجاد ...الوحش في حياتها ... ومن جوه، جه إسماعيل، صوته عالي "إيه يا بسمة، فيه إيه؟" ولما شافهم، وقف ثواني، وبعدين ابتسم ابتسامة مجاملة، ومد إيده لنجاد "نجاد بيه، منور والله. الشرف لينا." نجاد صافحه بقوة، وقال باحترام ورسمية "الشرف ليا." لسه ماكنوش دخلوا البيت، والباب لسه مفتوح وبسمة واقفة على الجنب، وإسماعيل واقف قدّامهم. بعد ما سلّم على نجاد، بص لربى بنظرة تقيلة، نظرة كلها فرض للسلطة وقال بصوته اللي دايمًا بيحاول يبان هادي لكن في نبرة أمر "إزيك يا ربى؟" ومدّ إيده لها... الإيد دي... اللي كانت زمان سبب في أول صفعة خادتها لما نسيت تقبّلها. اللي كانت وهي صغيرة بتاخدها بحذر، وبتميل على صوابع عمها وتبوسهم بسرعة... مش حبًا، بس خوف. خوف من العقاب، من الشتيمة، من صوته العالي اللي كان بيرجّ البيت. عين ربى راحت تلقائيًا لإيده... لحظة تردّد سريعة، كأن جسمها اتعود يتحرك لوحده من كتر السنين. كانت على وشك تمد إيدها تاخد ايده... لكن فجأة... نجاد، اللي كان واقف جنبها، مد إيده هو التاني، وبحركة سريعة قلب كفّ إسماعيل، وصافحه من جديد كأنه بيعيد الموقف من أوله. إسماعيل اتفاجئ، نزل إيده وهو مش فاهم حصل إيه، بس ماقدّرش يقول ولا كلمة. ربى بصّت له، عينيها اتسعت بدهشة. مافهمتش... هو عمل كده ليه؟ ليه تدخّل؟ لكن لما بصّت على وشه، لاقته زي ما هو… بروده المعتاد، ملامحه ثابته، كأنه ماعملش أي حاجة غريبة. ولا كأن فيه تقليد بيت كسره دلوقتي… ولا كأن اللي حصل لسه من شوية فيه معنى كبير. بس هي حست … حست إن نجاد شاف، وفهم، ومنع. لو ده اللي حصل فعلا فهي ممنونة ليه بجد . بسمة كانت بتتابع الموقف بنظرات سريعة، وعينيها بترقب إسماعيل، يمكن كانت مستنية يقول حاجة… بس لما ماقالش، هي كمان سكتت. ماقدرتش تعلق، حتى لو كانت عايزة. هي مش هتخاطر ، على القليل و الوحش موجود . ربى خدت نفس صغير، وتحركت تمشي جنب نجاد اللي ابتدى يتحرك ورا إسماعيل وبسمة. وفي اللحظة دي، لمحت نظرة امتعاض واضحة على وش عمها، شفايفه مضمومة وعينه فيها ضيق. لكن لابأس... هي بقت غير زمان. دلوقتي... هي حتى كبّتت ابتسامة صغيرة كانت عايزة تطلع، بس خبّتها… مش وقتها، بس هي جواها كانت فرحانة... مش علشان نجاد، ولا علشان المشهد... بس علشان دي أول مرة تدخل البيت ده، وهي مش وحدها. وسارت وراه، بخطى أهدى من أول ما جات.