النمر - الصيد - بقلم رجب الغنيمى | روايتك

اسم الرواية: النمر
المؤلف / الكاتب: رجب الغنيمى
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الصيد

الصيد

يوم مشرق جديد، يظهر نهر النيل على الأراضي الزراعية و الصيادون يرمون شباكهم لكسب رزقهم، المشهد الآن فى إحدى محافظات الدلتا، تاريخ اليوم هو التاسع عشر من مارس لقد مرت خمسة أيام على مجزرة أرض الفيروز وفى قرية من قرى تلك المدينة حيث تنتشر البيوت المتهالكة ذات الطوب الأحمر والمرافق السيئة إن وُجِدت تظهر سيارة حديثة الطراز ماركة "مرسيدس" سوداء اللون تتسقر اما جامع القرية الكبير ، ينزل منها شيخ طاعن فى العمر قبيح السِحنة عبوس الوجه، يظهر عليه النشاط والهِمة رغم شَيبته، إنه شيخ الطريقة الجامية المَدخلية وأشهر المنتسبون إليها فى مصر مرتديا ثوباً فاخراً ونعل جلده باهظ الثمن يتحرك فى همة و نشاط لأداة صلاة الظُهر فى الجامع الكبير وينتظره فى المداخل المئات من انصاره شُذاذ الأفق و المنحرفون فكريًا وعقائديًا معظمهم كانوا من أصحاب الجرائم و الجُنح و مطاريد الجبال فتمسحوا بالدين لكى يتم قبولهم مجتمعيًا ولكى يكونوا عنصر هام لمصلحة الأمن الحكومي، بأمر من قيادات الادخلية تحرك الشيخ المأفون لكى يلقى بعد صلاته خُطبة مُتفق عليها مسبقًا يصيح ويصرخ بحرمانية دماء الذين قُتلوا منذ أيام، وأن هؤلاء القوم مُستأمنون وأخذوا الأمان من ولى الأمة الشرعى! وأن لا يوجد نص صريح لا فى القرآن والسُنة تنص على وجوب الجهاد ضد المُحتل الكافر ولا بِجواز ما حصل! دَلف إلى باب الجامع فتهافت عليه انصاره يقبلون يديه اللعينتين وكأنهم مثل الجرذان النتنة، إخترق الحشود حتى وصل إلى المنبر، كان الجو مشمسًا وبه بعض الرطوبة فنادى على عامل الجامع لكي يشغل وحدات التكييف المركزى، حاول العامل تشغيلها لكنه لم يفلح فنَهره الشيخ بشتائم بذيئة فما من العامل إلا أن إنحنى ليُقبل يده لكى يسامحه على تقصيره وعرض عليه ان يفتح النوافذ مؤقتًا حتى يأتى الفنى و يُصلح العطل، فلما فُتحت النوافذ دخلت الرياح محملة بالأتربة على كل من فى الجامع، فالرياح جُند من جنود الله لم يُعجبها وُقوف زِنديق على مِنبر رَسول الله و لا تواجد حثالة كهؤلاء فى بيت من بيوت الله.. صباح يوم جديد، إستيقظ منصور من نومه توضأ وصلى ركعتين ثم تناول مشروب الشاى وفتح جهاز التلفاز متابعًا أخر الأخبار، إختار قناة إخبارية وشاهد بِتمعن ماذا يجرى؟! فى الخلفية جامع كبيرة يبدو بأنه فى إحدى القرى الريفية وتجمهر عدد من الناس حوله و مُراسل القناة يقف أمامه مرتديًا قناع غاز يُغطى كامل وجهه. - صباح الخير زميلي رشاد، أكدت التحقيقات الجنائية بأن وفاة الشيخ/ سيد السباعى وجميع الحضور فى الجامع الواصل عددهم إلى مائة وثمانون شخصاً ترجع إلى حالة تسمم شديدة، ومن مصادرنا الخاصة توصلنا إلى أن أجهزة التعطير الذاتية فى الجامع لم تكن ممتلئة بأية عطور بل كانت ممتلئة بغاز السارين شديد السمية عديم الرائحة، ولقد عرفنا بأن تم تخريب الدوائر الكهربائية لخاصة بأجهزة التكييف عمداً لكى تُفتح النوافذ وذلك لأن ذلك الغاز يتفاعل بقوة مع الهواء، ولقد تأثر بعض المارة بالقرب من الجامع من الغاز السام وتم نقلهم للمستشفى وتلقوا الرعاية الكاملة.. أغلق التلفاز و أراح ظهره على الأريكة وشبك يديه خلف رأسه وقال: لقد كانت عملية يسيرة و موفقة. " بل كانت عملية حقيرة مُنحطة "..قالها فرناندو من بعيد وهو يدخن من غليونه غريب الطراز. - لأ أدرى سبب إعتراضك على ما فعلناه، لقد تخلصنا من مجموعة من الحُثالة برمي حجر واحد! - تكلم عن نفسك أنا لم أكن موافق و أنت من أصررت، أكره كثيراً وسائل القتل تلك. - أنا لا أفهمك أتفضل سفك دماء وتمزيق الأجساد إرباً وحسب؟ ألا توجد عندك خطط تكتيكية؟ - القتل بالسُم نوع من انواع قتل الغيلة وأنا لا أحب تلك الحقارة وإياك أن تُشركنى في امر كهذا. - أكنت تريد ذبحهم فى الجامع مثلما فعلت فى سيناء لا يمكن فعل ذلك. - لماذا؟ فى كل الحالات تم قتلهم ذهبوا إلى الجحيم، على أية حال لن يتكرر ذلك الامر إن كنت تريد شراكتى. تنهد منصور بضيق. حسنًا لك هذا إستعد فنحن فى موسم الصيد الثمين، تتذكر ما فعله فوكسي بالطبع، دخيلنا فى قطاع الاحوال المدنية، لقد قمت بإسال أداة ذكاء إصطناعى له قمت بشرائه من السوق السوداء إسمه "الزهرة الأرجوانية" هذه الأداة تقوم بإعطائها بعض البيانات فتقوم بعمل مسح كامل لكل الأسماء المرتبطين بها، قمن بتزويدها بفض إعتصام رفض الإنقلاب العسكري و أسماء الضباط والجنود المشاركين فى عملية الفض وكذلك القضاة الذين نطقوا بأحكام جائرة ضد معارضي هذا النظام، بالطبع إخترنا قطاع الاحوال المدنية لأنه به جميع بيانات مواطني البلد بأكملها فبمجرد إختراق الخوادم الإلكترونية لهذا المكان وهذا ما نجح فيه فوكسى توصلنا إلى كل الأسماء بمجرد دخول الأداة في خوادم وزارة الامن. فتح حاسوبه الجوال وطلب من فرناندو الإقتراب الذى لمعت عيناه من قائمة الأسماء الطويلة الذى حدثه عنها منصور.."يبدو بأنك محق أيها الأخرق، هذا موسم صيد ثمين". في الخامس والعشرون من شهر مارس، أٌقيمت إحتفالية كبيرة في فندق (فور سيزون) المُطل على نهر النيل وكان المَدعُوين من كبار المذيعين و رجال الإعلام كلهم حضروا الإحتفالية الفخمة تلك، وكان من ضمن الحُضور أصحاب القنوات الفضائية الخاصة التي يعمل بها زمرة الإعلاميين، رغم أن تلك القنوات تخسر بِشدة وحجم المشاهدات أصبح ضعيفاً لهؤلاء القوم نظرًا لكذبهم ونفاقهم لرأس السلطة وأصبح الشارع لا يُصدّق الترهات التي يتلفظون بها صباحًا ومساء كانت القاعة مليئة بأجود أنواع الطعام والمشروبات الكُحولية، لكن في البداية تقدم وزير الإعلام إلى المنصة ليلقى كلمته للحاضرين وبمجرد تقدمه للمذياع إنطفأت الأنوار، فساد التوتر فليلاً حتى عاد مرة آخرى وسط قهقهات من البعض وفجأة أُطيح وزير الإعلام من مَطرحِه وسقط بعنف أرضًا فظهر مكانه "فرناندو" مرتدياً بذلة سوداء فخمة تغطى جسده وحذاء أسود ضخم يتناسب من حجم أقدامه و جوارب ليديه تغطيه حتى منتصف مخالبه وتقدم للمذياع وقال بسخرية: "أتمنى لكم ليلة سعيدة أخيرة".. فأظهر مدفع رشاش ضخم وصوب تجاه السقف فتكسرت المصابيح والنجف المُعلق فإمطرت زجاجًا على الجميع فصرخوا من الألم و هول المشهد وبعد ذلك فتح النار عليهم جميعًا بطريقة عشوائية فتطايرت آواني الطعام الفاخرة وتحطمت زجاجات الكحوليات والكؤوس المنقوشة فأصبحت أرضية القاعة مفروشة بالزجاج المخلوط بالدماء والجثث تتزايد بشكل سريع، سمع كل نزلاء الفندق الفوضى التي حلت عليه فساد الذعر بين الجميع وهلموا للهروب منه رغم محاولات أفراد الأمن الفاشلة، كانت أبواب القاعة معلقة بإحكام لم يستطع أحد بداخلها الهرب ولا من الخارج فتحها! لم يتوقف الرصاص الطائر حتى حصد آخر نفس موجودة في المكان إلا حامل المدفع الرشاش، وعندما وصلت قوات الشرطة للفندق إستطاعوا الدخول عِنوة فوجدوا الصمت مطبق على القاعة وحين وصلت الإسعاف لم تجد أي حالة تستحق محاولة لإنقاذها.. 70 مقدم برامج وصحفيون و10 من مُلاك القنوات الفضائية و 20 مُخرج تلفزيوني بالإضافة إلى وزير الإعلام، تم الإعلان عن مقتلهم جميعًا. في الثامن والعشرون من شهر مارس، تم العثور على جثة العميد/ سمير الطوخي في المباحث العامة إثر طلق ناري في رأسه، ومصرع اللواء / حسين الأباصيري في حريق سيارته إثر إنفجارها والعثور على جثته متفحمة هو وسائق السيارة، وحريق هائل في قسم الخليقة بجنوب القاهرة وهروب أغلب المُحتجزين السياسيين. في التاسع والعشرون من شهر مارس تم إستهداف نادي القضاة الذى كانت به ندوة يومها جمعت عشرات من القضاة الحاليين ومن تم إحالتهم على المَعاش وتم الإعلان عن مقتل 25 قاضياً. في الواحد والثلاثون من سهر مارس تم إستهداف موكب وزير الداخلية قبيل مدخل عاصمة الفردوس، أطلقت قذيقة تجاه السيارة الأولى مما أدى إلى إنحراف سائق سيارة الوزير للهرب من الكمين فتم إستدراجه وتصفيته هو وكل من في السيارة، وتم الإعلان عن مقتل وزير الداخلية وكل أفراد الموكب البالغ عددهم ثلاثون شخصاً. في الخامس من أبريل، تم إستهداف كازينو big boss المملوك لزعيم البلطجية والخارجي عن القانون، " فهمى الدُكش" رجل المهام القذرة في هذا النظام اللعين، بدايته أشبه ببداية " برهوم السويركى"، مُسجل خطر وُلد وترعرع في حي الباطنية بالقاهرة تسلق عالم الإجرام حتى أصبح أهم رجال المجتمع في البلد، كانت مكانته تفوق مكانة وزير الداخلية وبالبعض يراه ثاني أقوى رجل بعد "برهوم" وكبرت علاقاته وشبكة تجارته فأصبح مالك معظم كازينوهات شارع الهرم وعدد من الفنادق وإستحوذ على نسبة كبيرة من أسهم شركة "وايت هورس" للأمن في مِصر وأصبح أهم أعضائها المنتدبين. كان في اجتماع مع رجال أعمال لشُحنة كحوليات قادمة من اليونان وفى صحبته أهم رجاله، كان الاجتماع في الطابق الثالث في مكتبه الفسيح وعلى طاولة الإجتماعات التي يصل طولها إلى خمسة أمتار ظهر "فرناندو" على منتصفها صاعقاً الجميع بحضوره المرعب وهو يحمل كأس به شراب.." نبيذكم مقرف غير أصلى" قالها بغضب ثم سَكبه على الطاولة ورفع مسدسه الضخم وأطلق النار على الحَرس المحيطين بأبواب المكتب المُتفرقة، فزع أحد الجالسين وحاول الهرب فقفز فرناندو عليه فدهسه بأقدامه حتى سحقه سحقًا وتلفت للباقين فهوى بمقبض مُسدسه على رأس أحدهم فغُرس في جمجمته و وجه لكمة عنيفة لآخر مزقت فَكه وتدلى عن باقي وجه ولم يتبقَ سوى "الدُكش" التي سقط على الأرض يزحف للخلف مرعوباً مما شاهده منذ دقائق محاولاً الضغط على زِر النجدة الموجود على مكتبه، صرخ بشدة من الألم وسمع تحطم عِظام مَعصمه حيث أن خطى فرناندو علي يده لمنعه من التحرك. - أيها الأحمق، انت السبب في وضعك هذا بحوائط مكتبك العازلة للصوت. قالها فرناندو بسُخرية. - من أنت؟ أأنا أحلم أم ماذا؟ - نعم أنت في كابوس وسأوقظك من الآن لكي تصحو في ظلام أبدى في الجحيم. فأخرج خنجره الضخم وغرسه في صَدرِه أجرى عملية جراحية دقيقة متجاهلاً صرخات وتوسلات "الدُكش" حتى أخرج قلبه سليم قطعة واحدة لا يشوبه أي خدش، تشنج جسده لحظات حتى لفظ آخر أنفاسه، ترك فرناندو القلب على المكتب وتحته قطع من المنديل! في الثامن من أبريل حدث هجوم دامي على حي روض الفرج، تم العثور على الرائد/ سامح حسن والعقيد/محود خليل صريعين وتم الكشف عن هويتهما بعد يومين من العثور عليهما نظرًا لتشوه ملامحهما. في الخامس عشر من شهر أبريل كان الحادث الأكبر والأخطر على مستوى القيادات الأمنية والعسكرية، تم إسقاط مَروحية عسكرية في سماء محافظة الإسماعيلية ومصرع كل من فيها نتيجة قذيفة مضاد طيران وكانت القيادات التي تم الإعلان عن مقتلها هم: (وزير الدفاع، قائد أركان حرب، قائد القوات البحرية، قائد قوات الدفاع الجوي، قائد قوات حرس الحدود، قائد المنطقة الغربية العسكرية). في الحادي والعشرون من شهر أبريل، تم الإعلان عن مصرع رئيس المخابرات العامة أثناء زيارته إلى لُبنان نتيجة إنفجار في أحد فنادق بيروت أثناء إجتماعه مع رؤساء العشائر المارونية لمناقشة آخر تطورات مُجابهة المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها. في السادس والعشرون من شهر أبريل تم إستهداف قائد الحرس الجمهوري وإعلان مقتله. في الثاني من شهر مايو تم إستهداف موكب نائب رئيس الوزارء بنفس طريقة وزير الداخلية والإعلان عن مصرعه هو وكل أفراد الموكِب. في السابع من شهر مايو تم إستهداف المقدم/ حسنى أبو المجد والعقيد/ سعيد حسانين في الأمن الوطني أثناء خروجهم من منازلهم برصاصة لكل منهما. في الخامس عشر من شهر مايو أخذت الأمور تأخذ منحنى مختلفًا، أُقيمت إحتفالية ضخمة فندق (ريتز كارلتون) بحضور وفد ضخم من المسئولين الإسرائيليين يتقدمهم سفيرهم في القاهرة وحضر الإحتفالية كلًا من السفير السعودي والإماراتي وعدد من رجال الأعمال من كلا البلدين الذين تستحوذ سركاتهم على مُعظم أصول الوطن ومن ضمن الحضور عدد من المُثقفين الذين تربطهم علقات جيدة مع إسرائيل وينادوا جهرًا لتطبيع الشعوب وتبادل الثقافات والأيدى العاملة بين البلدين.. كانت الإحتفالية بمناسبة ذكرى تأسيس دولة إسرائيل أو ذكرى النكبة عند الفلسطينيين، تشابكت أيادى السعودي مع المصري مع الإسرائيلي ورقصوا جميعًا على أنغام "هافا ناجيلا" رافعين كؤوس الخمر حتى إنشقت أرض القاعة فجأة إثر إنفجار مَهول مفاجئ فسقط الجميع في الحفرة في باطن الأرض بعض فقد وعيه والبعض الآخر يصرخ طلبًا للمساعدة ولكن سُرعان ما إنهار الطابق الأول ثم الثاني على رؤوسهم جميعا حتى خفت أصواتهم وحل مكانها صريخ المارة خارج الفندق وصوت سارات الإسعاف. في الرابع والعشرون من شهر مايو تم الإعلان عن مقتل عدد من مآمير السجون في منازلهم مثل مأمور سجن طرة مأمور سجن أبو زعبل، مأمور سجن العَزولي، مأمور سجن العقرب. مرآة ضخمة أشبه بشاشات السينما يزينها من الجانبين ستائر قُرمزية اللون تبث مشهد إنفجار الفندق الضخم وكانت تبث جميع الأحداث الجَليّة قبل ذلك، يقف "جيريكو" يتابع ما يجرى يعيون مُتلهفة مُتقدة وهو مبتسم - هىهىهىهى، ألم يحن الوقت بعد؟ قالها أحد من ورائه مختبئ في الظلام. - ليس بعد، ولكن إقترب بشدة، صحيح أنى راهنت عليه منذ البداية، ولكنى لم أتوقع ذلك التفوق الساحق. تعالى الصخب من خلفه وسط ضحكات مخيفة لم يمُر على مِصر في تاريخها الحديث وقتًا عسيرًا مثل الشهرين الماضين، لم تكُن الدولة مُستباحة بهذا الشكل المُزرى مثل هذه الأيام، كل هذه الدماء التي أُريقت وكل هذه الجنازات العسكرية وعدد مهول من أفراد الأمن في الشوارع وزادت حملات الأمن الوطني لمداهمة منازل المعارضين سابقًا الذين تركوا السياسية منذ زمن و كَثرت الكمائن الأمنية و تم إعلان الأحكام العُرفية في البلاد و تمت إغلاق مواقع التواصل الإجتماعى مثل الفيس بوك وغيره، كل هذا ولم يتم التوصل إلى الجناة، لم يتم مَسك أي خيط يؤدى إلى معرفة المجرم الحقيقي وكأنه يرتدى طاقية الإخفاء ! عاد إلى حياته الطبيعية التي كان عليها منذ زمن نفس الروتين المعهود، دوامه الصباحي في شركة "دوقلو" يلعب بالنار بعلاقاته مع اليمنيين في حي فيصل وليلًا أحيانًا يزور أصدقائه الصينيين في المعادي، وبين هذا وذاك يمارس ألاعيبه مع بعض العصابات لسرقة هنا وهناك، رغم خطورة ما يفعله إلا أنه في نطاق قدراته، دائمًا يُخبر نفسه " أنا بخير ما دُمت مُتحكم في سير الأمور"، لم يختبر شُعور الفزع في حياته مثل ما شهده منذ شهرين والنصف، لأول يقوم بعملية بنفسه وشحمه ولحمه ليس عن بُعد مثل كل مهامه، وبالطبع لم يختبر شعور إزهاق روح بِيده من قبل، حاول أن يتعايش مع تلك الذكرى التي لم ولن تُمحى من ذاكرته حاول عقله الباطن ربط ما قام به والشخص الغامض الذى إبتزه للقيام بالأمر وبين ما يحدث من جرائم قتل وإغتيالات ولكن سرعان ما ينفض تلك الأفكار عن عقله ويخبر نفسه " دعك من هذا الهراء يا أحمق إنس ما حدث". كان يسير في الطريق عائدًا إلى بيته متأملًا كل ما يوجد أو يدور حوله، رأى فتى مراهق يُمسك بيد طفلة يبدو أنها شقيقته وهو يشترى لها الحلوى، إبتسم متذكرًا صِباه مع أُخته وهي طفلة وكأنه يرى نسخة منهما قبل أعوام طُوال، سأل نفسه متى كان آخر مرة تنزه مع شقيقته وأمه؟ لم يفعل ذلك منذ زمن! حسناً ها أنا جاهز وسأتفرغ سأطلب أجازة من العمل وأسافر معهما إلى أي مدينة ساحلية لقضاء يومين على البحر، كم تحتاج أمى إلى الهواء العليل وكم تشتاق أختي إلى راحة من الدراسة ومراعاة أمى، كم انا قصرت في حقهما. توجه إلى محل مَشوِيات قريب من المنزل وإشتري العشاء وتَوصّى بالطلب جيدًا ثم تحرك مفعمًا بآمال جديدة نحو المستقبل والدفء تجاه عائلته، وعندما إقترب من البيت أحس بدوار شديد وكأن الأرض تدور بيه حتى سقط أرضًا وعينيه مازالت تدور حتى غفت تمامًا توقفت بجانب جسده المُلقى على الأرض سيارة سوداء فحمله بعض الأشخاص وإنطلقت سريعًا.