بين الضوء و الظل
---
في النهار، كان آسر رجل أعمال يُهاب في عالم الشركات، صاحب عقل استثماري لامع، يدير واحدة من أكبر الشركات في البلاد، متخصصة في العقارات وتكنولوجيا البنية التحتية.
يجلس خلف مكتبه الفخم الزجاجي، يُراجع العقود، يُوقّع الصفقات، يتلقى مكالمات من شخصيات نافذة في الاقتصاد، ويرأس اجتماعات لا يجرؤ أحد على مقاطعته فيها.
كان صارمًا، دقيقًا، يتحدث قليلًا، لكنه إذا تكلم، أنصت الجميع.
---
أما في الليل، فكان وجهًا آخر من آسر يولد.
يخلع بذلته الرسمية، ويرتدي جلدًا أسود، خوذة عاكسة، ويقود دراجة نارية كأنها تنين ميكانيكي، ينهب الطرقات بشراسة.
كان نجم السباقات غير القانونية، التي تُقام في أماكن نائية من المدينة، حيث تُعقد الرهانات بمبالغ خيالية، وتسود الفوضى، ولا وجود للقانون.
أصوات المحركات، صرخات الجمهور، رائحة البنزين، كلها كانت تغذي فيه شيئًا قديمًا… شيئًا عنيفًا، متوحشًا، لا يرويه نهار الشركات ولا المال.
---
وذات مساء، عاد من أحد السباقات بعدما فاز كالعادة، وقد غطى الغبار وجهه وملابسه.
دخل إلى مكتبه في منزله الكبير، وجلس يراجع تقارير عن فرع جديد للشركة سيتم افتتاحه قريبًا.
فتح بريده الإلكتروني فوجد رسالة من والد ليان، يدعوه فيها لحضور اجتماع خاص بالشراكة القادمة.
ابتسم باهتمام، ثم حدّق مطولاً في اسم المُرسل...
لم يكن الأمر يخص العمل فقط. ليان ستكون هناك.
---
وفي اليوم الموعود، دخل إلى مكتب رئيس الشركة بثقة.
كان اللقاء رسميًا، لكنّ ليان دخلت فجأة وهي تحمل ملفات مطبوعة، وحين رأته، تعلّقت نظراتها به للحظة قبل أن تزيح وجهها بتوتر.
تبادل معها نظرات عابرة، لكن صمته كان أقوى من أي كلام.
---
وبعد الاجتماع، خرجت ليان تبحث عنه.
— "آسر!"
التفت ببطء، عيناه هادئتان كعادته.
— "لماذا لم تعتذر لي في ذلك اليوم؟"
— "لأني لم أكن أملك وقتًا للاعتذار."
— "والآن؟"
— "الآن لدي أمور أكثر أهمية من الاعتذار."
استفزها برده، لكنها لم تتراجع.
— "أبي يريد أن يزوجني بك... وأنا لا أفهمك."
أجابه وهو ينظر في عينيها:
— "لا تحاولي أن تفهميني الآن... فقط راقبيني، وستعلمين من أنا."
ثم رحل.
---
كانت كلماته مبهمة، لكنها اخترقت شيئًا في قلبها.
وفي الليل، بينما كانت تُقلب صور الشركة على موقعها، توقفت عند صورة آسر في مقابلة صحفية، وتساءلت بصوت خافت:
— "من أنت فعلًا، آسر؟ رجل شركات؟ متسابق مجنون؟ أم شيء لا أراه بعد؟"
---
لكن خلف هذا الغموض، كان الخطر يقترب.
رجل يخرج من ظلال الماضي، يتابع أخبار آسر في صمت، ويخفي في صدره نارًا قديمة، لا تخمد إلا بالدم.
----