بداية التحول
---
مرّ أسبوع على آخر لقاء جمع آسر بـليان.
أسبوع بدا طويلاً على قلبٍ بدأ يضطرب، لكن صاحبه ما زال يرفض الاعتراف.
كان آسر يكتفي بمراقبة الشركة من نافذة مكتبه العالي، يتأمل الموظفين الداخلين والخارجين، وعيناه أحيانًا تلتقطان صورتها... تلك الطالبة الهادئة التي كانت كلّ ردودها نابعة من مبادئ، لا من تملق أو خوف.
---
أما ليان، فكانت تائهة...
حائرة بين رغبة والدها في تزويجها، وصورة آسر التي بدأت تختلط في مخيلتها بين صلابته وغموضه، وبين تلك اللحظة العابرة حين ضحك للمرة الأولى.
---
وذات يوم، كانت تمرّ بممر الشركة حين التقت به.
نظراتهما تقاطعت للحظة، لكنها لم تقل شيئًا.
هو أيضًا اكتفى بالنظر، ثم تابع طريقه دون أن ينبس بكلمة.
وفي الليل، ظل يتقلّب في فراشه، كأنّ تلك النظرة اختلست منه شيئًا، وأبقت في داخله نارًا لم تُعرف بعد.
---
في صباح اليوم التالي، استدعاها والدها لمكتبه:
— "ليان، أريد أن أعرّفك أكثر على آسر. سأجعله يتولى مشروعًا مشتركًا معنا، وستعملين إلى جانبه لبعض الوقت."
شهقت بدهشة:
— "أنا؟ أعمل معه؟ لكن... لماذا؟"
— "لأنني أريدك أن تري الأمور من الداخل، وتقرري بعينيكِ."
أومأت، وإن كان قلبها يرتجف من قرار والدها... ومن الاقتراب من رجلٍ لا تدري إن كانت تكرهه... أم تخشاه... أم شيء آخر لا اسم له بعد.
---
وبالفعل، بدأت الأيام تجمع بينهما في العمل.
في البداية، كانت اللقاءات رسمية، هادئة، لا يتحدث إلا بما يخص المهام، ولا يبتسم إلا نادرًا.
لكن مع مرور الوقت، بدأت ملامحه تتغيّر... لم يكن يضحك، لكنه كان يطيل النظر إليها، يتأمل ردودها، صبرها، وحتى عصبيتها الطفولية.
أما ليان، فكانت تشعر بشيء غريب تجاهه.
لم تكن تحبّه، لكنها لم تعد تخشاه كما في البداية.
كانت تشعر بالأمان بقربه، لكنها لم تفهم لماذا.
---
وذات مساء، خرجا معًا لمراجعة بعض الأوراق في موقع خارجي.
وفي طريق العودة، توقفت السيارة فجأة، بسبب خللٍ في المحرّك.
ترجل آسر يتفقد العطل، وكانت ليان تراقبه بصمت.
كان مختلفًا. لا يشبه رجال المافيا الذين قرأت عنهم، ولا يشبه صورته في مخيّلتها بعد الحادثة.
اقتربت منه وسألته فجأة:
— "هل كنت دائمًا هكذا؟ صامتًا، جامدًا؟"
رفع رأسه نحوها وقال بهدوء:
— "كنت أسوأ... حتى قابلت من أجبرني على التغيير دون أن تطلب ذلك."
تجمدت في مكانها، ولم تدرِ ما تقوله.
لكن ما لم تعلمه ليان، أن هذا الرجل الذي بدأ يقترب من قلبها ببطء... يحمل في داخله وجعًا كبيرًا، وآثار ماضٍ لا يُنسى، وعدوًا قديمًا... يراقب من بعيد.
---