عرض غير متوقع
---
مرّت أيّام قليلة على اللقاء الذي جمع بين آسر وليان في شركة والدها.
لكن صدى ذلك اللقاء ظلّ يطرق أبواب عقلها، رغم محاولتها المستمرة لإغلاقها.
لم يكن آسر شخصًا عاديًا، لا فقط بسبب مظهره المختلف أو صمته البارد، بل لسبب لم تعرف له اسمًا، كأن شيئًا فيه يوقظ الحذر والفضول في آنٍ معًا.
---
في مكتب واسع يعلو المدينة، جلس حسان الرمزي، والد ليان، يتأمّل بعض الملفات حين دخل آسر بثقة صامتة.
— "سيدي، أتيت لتوقيع المرحلة الثانية من الاتفاق."
رفع حسان رأسه، تأمّله مليًّا، ثم قال بصوتٍ هادئ:
— "آسر... أنت شاب ذكي، وصاحب نفوذ، وهذا لا يخفى عليّ. لكن لديّ عرض آخر، شخصيّ هذه المرة."
نظر إليه آسر باستغراب:
— "عرض شخصي؟"
— "ابنتي... أريد تزويجها قبل أن أودع الدنيا، وأريد أن أطمئن على من سيصونها."
ساد صمت ثقيل.
آسر لم يُظهر شيئًا، فقط عيناه تضيّقتا قليلًا، وكأنّهما التقطتا فخًا في الكلام.
تابع حسان:
— "أنا لا أطلب حبًّا، بل أمانًا. يمكنكما أن تعيشا فترة مؤقتة، ثم تفترقا... شرط أن أراها عروسًا قبل رحيلي."
---
في المساء، كانت ليان تجلس في غرفتها حين طرق والدها الباب.
دخل وهو يحمل كعادته وجهه الصارم الممزوج بحنان خفي:
— "ليان... أريد أن أراك عروسًا."
نظرت إليه وقد تجمّدت ملامحها.
— "أرجوكِ لا ترفضي. لقد تعبت، وأخشى أن يسبقني القدر."
خرج وتركها في دوامة.
قلبها كان يرفض، عقلها مشوش، وروحها... خائفة من كل شيء.
---
في صباح اليوم التالي، وقفت أمام باب الشركة، تنتظر آسر.
وحين لمحها، عقد حاجبيه وقال ببرود:
— "ألم أخبركِ أنني لا أملك وقتًا لتبادل الأحاديث التافهة؟"
لكنها ردّت بثقة:
— "الأمر لا يتعلق بك... بل بأبي."
توقّف.
نظر في عينيها، ثم قال:
— "بعد السادسة، انتظريني. لا أحب المقاطعات أثناء العمل."
---
كانت السادسة مساءً حين وقفت تنتظره عند باب الشركة. لم تأتِ بسيارتها، بل سارت على قدميها، متوترةً، مترددةً، لكنها مصمّمة.
ظهر آسر وهو يرتدي سترته الجلدية، وعيناه تلمعان بتلك النظرة الغامضة.
— "هيا بنا."
— "إلى أين؟"
— "نتحدث... في مكانٍ أكرهه وأحبّه معًا."
أشار إلى دراجته النارية.
ترددت، ثم همست:
— "أخاف..."
ضحك، لأول مرة منذ الحادث. ضحكة قصيرة، لكنها اخترقت صلابته.
— "أتعلمين؟ هذه الآلة لم تخلق لتقتل... بل لتُحرّر."
ناولها الخوذة.
ترددت، لكنها أخذتها وركبت خلفه، ويديها ترتجفان وهي تتمسك به.
انطلقت الدراجة، وليان تشعر للمرة الأولى أنها خرجت من قفصها الداخلي، رغم الخوف.
---
وصلا إلى مطعم هادئ على طرف البحر.
جلسا.
نظرت إليه، وقالت:
— "أبي قال لي ما عرضه عليك."
نظر إليها مطولًا، ثم قال:
— "أنا لا أرغب في الزواج."
سكتت، وكتمت غصة.
— "لكنني سأفكر بطريقةٍ لإقناعه بالعدول عن الفكرة."
قالها دون أن يعلم أنّ جملته تلك كسرت شيئًا فيها.
لكن قبل أن تنهض، أضاف فجأة:
— "ربما... سأفكر بطريقة أخرى أيضاً."
---