الفصل الثالث:
في الصالة، على الكنبة...
ربى كانت مستلقية، وعيونها مغمضة، لكن جواها صاحي. فتحت عينيها ببطء، كل حاجة حواليها باهتة، كأن الضباب مغطي الدنيا... بس مش ده اللي مضايقها.
اللي كان وجعها بجد، هو الإحساس بالفشل...
فشلت تغيّر اللي مكتوب، فشلت تنقذ نفسها من مصير كانت فاكرة إنها هتهرب منه.
الغياب، الوجع، الزعل... بيتكرر قدامها من تاني.
غياب نجاد، نظرة عمها إسماعيل اللي فيها غضب واتهام... وانتهى بيها المطاف مغمى عليها، زي زمان، زي قبل كده.
سحبت نفسها من على الكنبة، وقامت بخطوات تقيلة، مش شايفة قدامها كويس... بس عارفة طريقها.
دخلت أوضتها، وقبل ما تفكر حتى تغيّر هدومها، رمت نفسها على السرير، ونامت.
_____
الساعة كانت عشرة بالليل...
لما الباب اتفتح، ودخل نجاد.
كان باين عليه التعب، هدومه مبهدلة، والقميص مفتوح لحد نص صدره، كأنه كان بيجري طول اليوم.
أول حاجة عملها، إنه بص حواليه… السفرة لسه محطوطة، الأكل مكانه، مفيش حد قعد، مفيش حد لمس حاجة.
وشه اتشد، قلبه اتقبض، وطلع السلم بخطوات سريعة.
فتح باب الأوضة بهدوء…
الدنيا ضلمة، بس عينه خدت على ملامحها.
ربى نايمة على جنبها، وشها شاحب، وملامحها مرهقة…
بس الحقيقة؟ هي كده من أول يوم اتجوزو فيه
وقف شوية بيتأملها، بيفكر…
في اللي حصل النهاردة مكانش بسيط...
هو فعلاً كان ناوي يخلص اجتماعه ويرجع يقابل عيلتها معاها بس لما رن تليفون زين، كل حاجة وقفت.
"البضاعة اتسرقت... واللي كانوا بيوصلوها اتصابوا بطلق ناري."
ماكانش ينفع يتجاهل المكالمة دي، ماكانش ينفع يسكت، فاضطر يرجع ويروح للمكان ، وهو مليان غضب.
مين اللي عمل كده؟ وإزاي الموضوع اتفلت من إيده بالشكل ده؟
______
في اليوم اللي بعده ...
كانت الشمس لسه بتتحسس طريقها جوّا الأوضة لما رنّ موبايله
نجاد فتح عينه بتقل، وبص للموبايل… "زين".
ردّ بسرعة ونبرته نايمة بس رجولية
"أيوه؟"
صوت زين كان جاد
"لقينا الرجالة يا باشا… اللي كانوا مسؤولين عن حادث امبارح مستنينك تعطينا الاوامر ."
" انا جاي !"
مجرد ما قفل الخط، مد إيده للناحية التانية من السرير…
فاضي.
قعد بسرعة، لمّح المخدة مفرودة، بس مافيش أثر ليها… ربى مش هنا.
نهض وهو بيزفر، دخل الحمام، أخد شاور سريع، والمية كانت ساقة لدرجة صحّته من النوم.
غير هدومه، لبس بدلة رمادية فاخرة، القميص مكوي ومفتح زرارين فوق، وبدأ ينزل على السلم…
بس وهو نازل، ملامحه كانت متجهمة.
وشه مشدود، حواجبه مقطّبة، ودماغه شغالة
هشوف الرجالة دول النهاردة… لو حد فيهم حاول يتهرب أو يبرر، مش هرحم حد…
بس كل ده اتكنسل.
أيوه…
كل حاجة اتغيرت في لحظة، أول ما عينه وقعت عليها.
ربى…
واقفـة في المطبخ، شعرها مربوط كعكة فوضوية فوق راسها، لابسة بيچاما بيت بسيطة، وبإيديها خيار بتقطّعه، وكل شوية تاخد قضمة صغيرة وهي مبتسمة لوحدها.
شاحبة؟ أيوه.
نحيلة جدا؟ أكيد.
لكن ناعمة… بطريقة خلت نظرته تثبت عليها، ودماغه يتشتت.
وكانت المفاجأة…
أول ما لمحت وجوده، لفّت عليه ببساطة وقالت بصوت هادي وابتسامة صغيرة
"صباح الخير يا نجاد."
اتجمد.
هي؟ بتبتسم؟ وله ؟
من يوم ما اتجوزو ما شافش منها غير الصمت …
ابتسمتله؟!
وبعدين قالت وهي لسه واقفة قدام الرخامة
"استنى شوية… الفطار هيخلص دلوقتي."
رفع حاجبه، واقف مكانه مش عارف يتكلم.
هو أساسًا عمره ما أكل هنا، عمره ما طلب منها تطبخ، وهي عمرها ما عرضت.
لكن اللحظة الحاسمة كانت لما بصّت له من فوق كتفها، وسألته بصوت ناعم، صافي، دافي
"إحنا مش هناكل مع بعض؟"
حس ببرودة بتجري في ضهره، مش من الخوف… من الذهول.
إيه اللي حصل؟
هي اتبدلت؟
ولا ده الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة؟
واقف… ساكت… وكل اللي في دماغه دلوقتي مش الرجالة ولا السرقة…
كل اللي شاغل باله
"هي مالها؟"
نجاد قعد على الترابيزة، ساكت، بيبص قدامه بشرود.
ربى كانت واقفة في المطبخ، بترتّب الأطباق واحدة ورا التانية… ولما مسكت آخر طبق، وقفت لحظة.
أخدت نفس عميق… كانت حاسة بقلبها بيدق بسرعة.
(هي عارفة إنها بتلعب بالنار.)
هي بتقرب من نجاد، من "الوحش" زي ما هي بتسميه جوا عقلها.
بس لو كانت عايزة تغيّر قدرها، لازم تبدأ من الشخص الوحيد اللي ممكن يغير أي حاجة…
نجاد.
هو عنده القوة، والسلطة، والهيبة، وهي؟ لا عندها كلمة تمشي ولا قدرة تدافع بيها عن نفسها.
لكنها قررت، طالما مافيش طريق تاني، هتروّض الوحش.
ومفيش طريقة غير إنها تقرب… حتى لو ده وجعها.
لفّت ناحيته، وحطت الابتسامة الهادية دي على وشها، ورحت حطت الطبق الأخير قدامه…
وبهدوء جلست على الكرسي اللي قصاده.
فضلت تبص له… مستنية.
نجاد كان بيبص في الطبق قدامه، وكأنه مش فاهم…
وبعد لحظة، أخد شوكة، وبدأ ياكل.
ربى ابتسمت… ابتسامة صغيرة كده، بس فيها رضا.
هو أكل من إيديها.
ودي أول مرة تحصل.
يعني أول خطوة نجحت.
يعني لسه في أمل.
بدأت تاكل هي كمان، بس كانت بتراقبه من طرف عينها…
مش عارفة تقول إيه، تتكلم في إيه، خايفة تقول كلمة تغلط، يزعل، ينفجر فجأة.
هي عارفة طبعه، صعب، عنيف، تقيل.
بس المفاجأة… إنه بصّ لها وسألها بهدوء
"السهرة كانت عاملة إزاي؟"
ربى حسّت قلبها وقف لثانية،
البارح… الاغماء… غضب عمها… نظرات أهلها…
لكنها بسرعة شدّت نفسها، وابتسمت، وقالت بهدوء:
"كانت كويسة."
سألها تاني
"أهلك قالوا حاجة على غيابي؟"
قالت له
"قلت لهم إنك كنت في شغل طارئ."
نجاد ما علّقش، بس كمل أكله، وبعد دقيقة وقف وقال
"لازم أروح الشغل."
ربى وقفت هي كمان، ومشيت وراه،
ولما حس بيها، لف وبص لها بنظرة فيها استغراب
"بتعملي إيه؟"
هي رفعت وشها له، وهي صغيرة أوي جنبه…
هو طويل، عريض، وهي ناعمة وصغيرة…
وقالت ببراءة
"جايّة أودّعك."
نجاد اتفاجئ، وقال بشك واضح
"تودّعيني؟"
مافهمش، بس سابها تكمّل.
وهي فعلاً ودّعته، بكلمة بسيطة ونظرة هادية.
خرج نجاد من البيت، ولسه مش مستوعب إيه اللي بيحصل.
هو ده نفس البيت اللي ماكنش بيحس فيه بأي روح؟
هي دي نفس الست اللي كانت ساكتة؟
فيه إيه؟
فيه إيه بيتغيّر؟
_____
في مصنع مهجور على أطراف المدينة، الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو أنين خافت من الرجالة التلاتة اللي مربوطين في الكراسي…
وشهم مليان دم وكدمات، وعيونهم فيها رعب…
أجسامهم كانت باينة إنها اتعرضت لضرب جامد.
الجو كان مكهرب، والهدوء اللي مالي المكان كان أهدى من اللازم… قبل ما يتكسر فجأة بخطوات تقيلة داخلة من باب المصنع.
زين واقف قدامهم، مسند على عمود، أول ما سمع الخطوات، ابتسم وقال بحماس
"الباشا وصل."
الرجالة اتجمدوا مكانهم، حتى التنفس بقى صعب عليهم.
مافيش حد فيهم ما يعرفش اسم "ناجد الغمراوي" الراجل اللي تورطوا معاه وهما مش فاهمين حاجة بس علشان المصاري اللي هتكون كبيرة بسبب اسمه الكبير …
ولما اسمك بس بيخلّي الناس ترتعش، يبقى دخولك نفسه زلزال.
ناجد دخل بخطوات ثابتة، عينيه سودة كأنها بتبلع المكان…
لابس طقمه، قميصه متزرر لحد ما قبل الآخر، ومشيته تقيلة تقطع أي أمل في النجاة.
جنبه ماشي أيوب، ساكت، ووشه مش باين عليه أي تعاطف.
ووراهم زين، اللي كان مستمتع بالمشهد.
زين أشار للرجالة بقرف وقال
"هم دول يا باشا… التلاتة اللي ضربوا ولادك وسرقوا البضاعة."
ناجد وقف قدامهم، وساب ابتسامة باردة تطلع على وشه
"حلو… يعني جبتولي الفئران، ناقص أعرَف مين اللي بعتهم."
قرب بخطوات بطيئة من واحد فيهم، وركع على مستوى عينه،
وقال بنبرة هادية بس فيها رعب خفي
"هسألك سؤال واحد… قوللي الحقيقة وامشي سليم. كدبت؟ هتبقى ذكرى."
الراجل كان بيترعش، ووشه كله دم، وقال
"أنا… احنا كنا ماشيين ولقينا العربية مفتوحة… قولنا نسرقها وخلاص."
بووم.
طلقة طلعت من مسدس نجاد، فـ الراجل وقع ساكت.
الدم ساب دبة كبيرة على الأرض.
أيوب اتنفض وسأله
"يا باشا… وإحنا كده هنعرف من اللي وراهم إزاي؟"
ناجد وقف، وهو بيمسح المسدس بمنديل، وقال ببرود
" بجوابه اكدلي أنه غبي و الرأس المدبّر عمره ما بيدي تفاصيل للفيران الاغبيا اللي بيشتغلوا عنده… دول كانوا طُعم.
لازم نطلع فوق، مش نضيع وقت تحت."
وراح ضرب التاني والتالت بنفس الطريقة،
من غير نرفزة، من غير صريخ، كأن الموضوع إجراء روتيني.
ناجد كان متعود، وده الجانب اللي الكل بيخافه فيه…
اللي يقرب من شغله، حتى لو بنظرة، بيتدفع التمن.
رجع السلاح في جيبه، بص لرجالته اللي واقفين في الخلف وقال بنبرة حادة
"نضّفوا المكان، وتخلصوا من الجثث… مش عايز أعرف إن الشرطة شمّت ريحة."
ومشي من غير ما يبص وراه،
أيوب وزين مشيوا وراه، ساكتين.
زين كان بيبص للأرض وقال
"هو ده نجاد اللي الناس ناسيه… نجاد اللي ما بيرحمش."
وأيوب تمتم لنفسه
"ولسه… اللي جاي هيكون دم."
خرجوا من المصنع، وسابوا وراهم رعب، دم، وسؤال كبير
مين اللي بيتجرأ ويقرب من شغل نجاد الغمراوي ؟
_____
رجع نجاد البيت في الساعة اللي اتعوّد يدخل فيها، ساعة متأخرة جدًا، والهدوء مالي الفيلا كعادته.
دخل من الباب، خطواته الواسعة تقطع السكون، جاكت البدلة متعلق على دراعه، وصوته الخشن تنفّس في الصمت.
لكن المرة دي، في حاجة مختلفة.
نور خافت طالع من الريسبشن… مش نور معتاد.
كان فيه ريحة خفيفة لبرفان أنثوي، ناعم، شبه زهرة بتفتح وسط عتمة.
رفع عينه… ووقف.
ربى كانت واقفة.
لأ، مش واقفة بس… دي كانت مستنياه.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزوا، كانت صاحياله في الوقت ده.
لابسة قميص نوم حرير، بسيط، لونه عاجي، وبيتلألأ مع الضوء الخافت.
قَصير، بس مش فاضح، ناعم، بس مش مبتذل… كان مثير بالهدوء بتاعه.
ابتسمت.
الابتسامة دي مش بريئة، رغم إنها باين عليها كده.
لكن الحقيقة إنها مدروسة… محسوبة… فيها نية، وفيها خطة.
ربى كانت قررت الصبح حاجة واحدة
"مش هسيب الجوازة دي تعدّي عليا خسارة زي المرة اللي فاتت."
هي مش قادرة تغيّر الأحداث، مش هتقدر تمنع موته…
بس تقدر تغيّر نفسها هي.
هتستغل وجوده… ماله، اسمه، أملاكه…
الفيلا دي هتبقى باسمها، المجوهرات، الحسابات…
مش هتترمي ثاني ...مش هتخرج من الفيلا اللي كانت في يوم بيتها ...مش هترجع لبيت عمها وتتجوز واحد قد جدها ...هي هتعيش المرة دي !
وهي مراتُه… ليه ما تاخدش حقها؟ وهو كمان له حق، وهي مستعدة تدفعه.
ففي النهاية ده مش حرام وهو جوزها
بس المشكلة الوحيدة… إنها لسه بتخاف منه.
رغم كده، قربت منه بخطوات بطيئة. إيديها متشابكة قدامها بتوتر، وصوتها واطي وهي بتقول
"عايزني أسخّنلك الأكل؟"
نجاد وقف، باصّص عليها بعيون فيها استغراب…
مرتبك، لأ، مش باين عليه، بس جوّاه في ارتباك مش مفهوم.
كان متعوّد يدخل يلاقيها نايمة…
دلوقتي، هي قدامه، بتضحك، ولابسة بالشكل ده؟
رد بنبرة سايبة، وهو بيحوّل عينه بعيد
"كلت برا."
ربى أومأت، وغمغمت بحسرة مصطنعة
"كنت بتمنّى ناكل سوا… بس ماشي، ناكل بكرة."
هو ما ردش… بص لها، وبعدين راح أوضة اللبس.
سحب هدوم للنوم، ودخل الحمام من غير ولا كلمة.
بس وهو جوّه، كان مش قادر يمنع نفسه من تذكّر شكلها…
القماش اللي نازل على جسمها، خفيف كأنه مية…
العيون اللي فيها تردد، بس بتخبّي نار.
أما ربى، فكانت وقفة برّه… ظهرها للباب.
إيديها بترتعش، بتقضم شفايفها، بتحاول تقنع نفسها إنها قوية.
"أنا بعمل كده علشان أعيش. علشان أضمن حقي. هو جوزي، وده حقي…"
لكن الحقيقة؟
هي مرعوبة.
سمعت صوت المياه بيقف، قلبها وقع.
الباب اتفتح، وفجأة…
جسمها خبط في صدره.
اتجمدت.
نجاد، اللي لسه خارج، شعره مبلول، وقطرات ميه نازلة من رقبته، كان لابس بيجامة بسيطة، بس جسمه باين من تحت القماش.
ربى كانت هتتزحلق وتوعى، بس فجأة
يده مسكت خصرها.
إيده سخنة، جامدة، وبتشدها ناحيته.
قلبها خبط في صدرها، وبصّت على دراعه اللي ملفوف حواليها،
ولما رفعت عينيها… شافت عيونه.
لأول مرة، تبص في عيون نجاد الغمراوي…
عيونه سودة، تقيلة، مخيفة… لكن فيها لحظة سكون، كأن الزمن وقف.
نقطة ميه نزلت من شعره على خدها،
ومع حركة هادية جدًا… رفع إيده ومسحها بأنامله.
اللمسة دي… كانت كفيلة تخلي جسمها كله يتنفض.
كانت اللحظة…
اللحظة اللي ممكن تكسرها، أو تطلعها من القاع.
أنفاسها اتسارعت، وكل تفكيرها كان بيصرخ
"يلا يا ربى… دلوقتي… يا دلوقتي يا عمر ما هيحصل."
لكنها خافت…
"دي مش أنا، أنا عمري ما كنت كده…"
بس على طول جه السؤال اللي قطع كل تفكيرها
"وإنتي كسبتي إيه لما كنتي إنتي؟
كسبتي وجع؟ تجاهل؟ طرد؟ خسارة؟"
عينها اتغيرت…
نظرة جديدة خالص ظهرت فيها.
نظرة مش مفهومة… نظرة خلت نجاد نفسه يتجمد مكانه.
فجأة، وهي مغمضة عينيها، قربت.
قربت اوي…
ورفعت جسمها على أطراف صوابعها…
وببُطء شديد، حطّت شفايفها على شفايفه.
قبلة هادية… ساكنة… مش جريئة ولا عنيفة.
لكنها كانت مفاجأة.
نجاد اتجمّد…
وشفاهه ثابتة، مش بيرجع القبلة… ولا بيبعد.
بس ما صدّهاش.
وربى… فضلت مغمضة، بتقول في سرّها
"أنا مش ضعيفة… أنا بلعب لعبتي."
وهي بتاخد نفس ورا التاني، وقلبها بيدق بقوة،
لسان حالها بيقول
" انا مش هخسر ثاني!"