الفصل الاول :
جميع الشخصيات والأحداث خيالية ولاتمس للواقع بأي صلة
كانت نايمة على جنبها، حضنة الوسادة بكل قوتها، كأنها بتحاول تدفن وشها جواها وتستخبى من الدنيا.
الوسادة مبلولة من كتر الدموع اللي نزلت من غير صوت… دموع مُرة، دموع الغُلب، دموع واحدة اتسلب منها كل حاجة حتى حقها في الاختيار.
خدها كان لسه دافي من كتر ما كانت بتعيط عليه، وعينيها مرهقة، متورمة، وبتلسعها كل ما ترمش.
نَفَسها كان بيطلع ببطء، تقيل، وكأنه بيتحشر في صدرها، وبيزاحم وجع مش لاقي له مخرج.
جواها سؤال واحد بيتردد
"ليه؟ ليه دايمًا أنا؟"
إزاي الدنيا قدرت تظلمها للدرجة دي؟
إزاي بعد ما اتحررت من سجن جوازها من أنشف راجل قابلته في حياتها واخطرهم ترجع تاني تُرمي في حضن راجل تاني… أكبر بكتير عليها ؟
هو الجواز بقى تجارة؟
هي عروسة فـ سوق النخاسة؟
ليه عمها ومراته شايفينها مجرد عبء؟
مجرد "بضاعة" لازم يتخلصوا منها بأي تمن؟
أول مرة باعوها لناجد الغمراوي… الوحش.
جواز من غير مشاعر، من غير كلمة، من غير حتى وداع.
سنتين كاملة وهي عايشة زيه زي الغريب، كان بييجي متأخر وينام، ويقوم يمشي من غير ما تبادلوا حتى جملة كاملة لانها خايفة يضربها او يقتلها زي رجالته
ودلوقتي… بعد ما مات وافتكرت إنها أخيرًا اتحررت…
جايين يبعوها تاني؟
بمنتهى البساطة؟
ولا كأنها بني آدمة عندها قلب وكرامة ووجع؟
ربى سكتت.
جسمها كان بيرتجف من جوه، بس مفيش صوت.
كأن حتى صوت الوجع تعب وقرّر يختفي.
غمضت عينيها وهي بتشد على الوسادة أكتر، كأنها بتهرب منها، منها هي نفسها، من واقعها، من الحيطان اللي بتسحب فيها كل نفس أمل.
"نفسي أختفي… حتى لو يوم واحد… أنام وماصحاش."
غفلت…
مش نوم الراحة.
نوم الغصب، نوم الحزن… النوم اللي بيطفي النور اللي في القلب، ويسيبه في ضلمة سودة.
________
بعد شوية…
أشعة الشمس دخلت من الشباك وضربت في وشها. حرّكت وشها ناحية الحيطة بضيق، ثم فتحت عينيها ببطء، تتوقع تشوف نفس السقف المتهالك، والحيطة المتقشرة، ورائحة الغبار.
لكن… لأ.
السقف هنا عالي، لونه ناصع البياض، والمكان كله ريحته عطر فخم… مش ريحة العفن اللي في أوضة بيت عمها.
ربى قعدت على السرير، عينيها بتلف حوالين نفسها ببطء، والنبض في قلبها بيزيد.
"دي مش أوضتي..."
وكملت بعدما ضيقت حواجبها
" او ...لا ...دي اوضتي ...اوضتنا ..."
الجدران مغطاة بورق حائط فخم، فيه لمعة دهبي بسيطة، الستارة سميكة، والسرير نفسه مش سريرها. مفيهوش الخشونة ولا المراتب الغارقة، ده سرير كبير، ناعم، وبيغرق.
اتجمدت لحظة.
كان في نَفَس جنبها.
ببطء… وهي مش مصدقة، لفّت وشها ناحية اليمين… وشفته.
ناجد.
ناجد الغمراوي.
نايم على بطنه، صدره بيطلع وينزل بهدوء، وإيده متنية تحت راسه، كأنه إنسان عادي… مش الرجل اللي مات من أربعين يوم، مش اللي اتدفن قدام عينيها.
"إزاي؟!"
قلبها اتشل. عنّيها اتسعت، وكأن الزمن وقف. المشهد قدامها مش طبيعي… المفروض الجثة دي ماتت، ماتت برصاصات مفاجئة ... وشافت الدَفن بعنيها.
مدّت إيديها بخوف، قربت لمست وشه… حرارته حقيقية. نَفَسه حقيقي.
"ناجد...!"
همست بصوت بالكاد طالع، بس قلبها كان بيصرخ.
وفجأة عيطت …
هو اتحرّك.
فتح عنيه بسرعة، وكان باين عليه إنه مفزوع، بصّ حواليه وبعدين ليها، وهو بيقول بنبرة خشنة
"في إيه؟!"
لكن ربى كانت بتترنّح لورا، رجعت بسرعة وهي بتتنفس بصعوبة، رجليها اتشابكت في طرف الملاية وكادت تقع من على السرير.
بس ناجد مدّ إيده بسرعة ومسكها من دراعها قبل ما تقع.
"استني!"
ولما لمست إيده إيديها…
صرخت. صرخت صرخة خضّت قلبه وقلبها.
"إبعد عني!! إبعد!! إنت… إنت ميت!! إنت ميت!!"
عنّيها كانت مرعوبة، كأنها شايفة شبح، أو حد رجع من القبر مخصوص عشان يكمّل قصاصه.
ناجد كان بيبص لها باستغراب حقيقي و عينيه الحادة مافارقتش وشها ، ولسه ماسك دراعها
"ميت إيه؟ بتقولي إيه ؟"
بس هي كانت بتتهز، وشفايفها بتترعش، وعنيها بتدمّع
"أنا… أنا شفتك… شفتك ميت… شفت الدم، شفت القبر…!"
هو ساب دراعها، اعتدل بسرعة، وبص عليها بحدة مبين عليه أنه الكلام ماعجبوش نهائيا
" إنتي شكلك شايفة كابوس مش اكثر "
وهي كانت واقفة بعيد، ضهرها للحائط، عينيها مش مصدقة، وجسمها بيترعش من الصدمة، وبتهمس لنفسها
أنه هو معاه حق وهي نايمة وبتحلم مش اكثر
بعد ما خرج ناجد من السرير، ربى فضلت واقفة مكانها ثواني… قلبها بيدق بسرعة، ودماغها لسه مش مستوعبة اللي حصل.
بعدين، ببطء، رجعت للسرير… كأنها بتتزحلق في كابوس غريب، مافهوش مخرج.
قعدت على طرف المرتبة، وبعدين اندفنت تحت البطانية، وشدت الغطا فوق دماغها، كأنها بتخبّي نفسها من الحقيقة، من اللي حصل، من اللي بيحصل…
وحاولت تنام.
لكن… مافيش نوم.
ولا هي صاحية…
ولا نايمة.
مجرد حالة غريبة… كأن الزمن وقف، كأنها اتحبست ما بين لحظتين.
كل حاجة حواليها صوتها مكتوم… قلبها بيخبط في صدرها، عنيها مفتوحة في الضلمة، ومخها بيفكر بسرعة، بس ولا حاجة مفهومة.
"ده إيه؟… إيه اللي بيحصل؟"
قامت قاعدة، استندت على السرير، ودماغها لفت.
حاولت تفتكر… آخر حاجة؟
آه… كانت في أوضة بيت عمها.
مرات عمها دخلت وقالتلها الخبر… إنها لازم تتجوز راجل كبير في السن، أكبر منها بكتير.
ساعتها دخلت أوضتها، وقعدت تعيط، تعيط لحد ما قلبها وجعها.
بس بعدين؟
هل ممكن تكون ماتت؟
ماتت من كتر البكا؟
هل ده اللي بيحصل دلوقتي؟
هل ده شريط حياتها؟ اللحظات الأخيرة قبل الموت؟
لكن لا…
لو كان شريط حياتها، مافيش سبب يخلي ناجد يظهر فيه… بالشكل ده، بالحقيقة دي.
إزاي ظهر؟
إزاي حي؟
وإزاي في أوضتهم… في بيتهم؟
كانت بتتكلم مع نفسها بصوت واطي، كأنها بتحاول تقنع نفسها بأي حاجة.
"استني… استني شويه… خليني أشوف التاريخ…"
لفّت وشها ناحية الكومود، بصت على التقويم اللي هناك…
وساعتها، خبطت الصدمة في وشها.
التاريخ؟!!
فتحت عينيها على الآخر، وقربت بسرعة، سحبت التقويم.
"ده… ده من سنتين؟!!"
عدّت الأيام بسرعة في دماغها، حسبت، حسبت تاني،
وبعدين وشها اتسحب، صوتها طلع همس
"ده اليوم العشرين بعد جوازي من ناجد…!!"
اتجمّدت في مكانها…
"إزاي… إزاي رجعت ورا؟!
ده مستحيل…
أنا مش بفهم حاجة…"
بدأت ترتعش…
إيديها بتتهز، عنيها بتزوغ، ولسانها بيقول كلام مش مترتب
"أنا مش هنا… دي مش أنا… ده مش وقتي… دي مش حياتي… أنا كنت هناك… أنا كنت هناك ومفيش حاجة من دي كانت موجودة!"
صوتها بدأ يعلى شوية بشوية، لحد ما بقت بتتكلم بصوت واضح، سريع، ومرتبك، كأنها بتغرق في الجنون لحظة بعد لحظة.
في الناحية التانية من الأوضة، قدام التسريحة…
كان ناجد واقف.
لابس طقم أسود أنيق، وقميص سادة من غير ربطة، مفرود على صدره المعضل ، باين هيبته من أول نظرة.
واقف بيرش عطر خفيف على رقبته، وسرح شعره الداكن ببطء.
بس عينيه…
ما كانتش بتبص على نفسه.
كان بيبص في المراية… وشايف انعكاسها.
انعكاس ربى اللي كانت قاعدة على السرير، بتتكلم مع نفسها، بتتنفس بسرعة، بتبص حوالينها كأنها أول مرة تشوف المكان.
ضيق حاجبيه ببطء، ولمع في عنيه لمعة قلق… أو يمكن استغراب وعدم فهم .
همس لنفسه وهو بيعدّل ياقة قميصه
"هي مالها…؟"
سمع صوتها وهي بتهمهم بكلام مش مفهوم، دموعها بتقرب تاني، وعينيها بتزوغ.
"هي… جنت؟!"
سحب أنفاسه، وفضل واقف مكانه…
ما قربش، ما سألش،
بس عنيه كانت ما بتفارقش انعكاسها.
وهي…
كانت بتغرق، أكتر وأكتر.
_______
الجو كان ساكن، الصبح لسه في بدايته، والفيلا الكبيرة حواليها هدوء يخوف، كأنها بتكتم أنفاسها من اللي جوّا.
باب الفيلا اتفتح بهدوء، وخرج ناجد.
كان طالع بخطوات تقيلة وثابتة، لابس بدلة سودا فخمة، القماش بتاعها بيبرق مع ضوء الشمس الخفيف، والنظارة السودة على وشه بتخلي ملامحه أصعب في القراءة، بس الهيبة بتتفجّر منه من أول نظرة.
صدره مفروض، دقنه مشذبة بعناية، وكل حاجة فيه بتقول إنه مش راجل عادي… ده ناجد الوحش.
على الجانبين، كان زين وأيوب واقفين مستنّينه، زي الظل، زي الحرس المخلصين اللي عمرهم ما اتأخروا عليه ولا سبوه لحظة.
زين، الطويل الساكت اللي دايمًا نظراته لاقطة كل تفصيلة حوالين ناجد.
وأيوب، الأسرع في الحركة والرد، ودايمًا إيده قريبة من مكان سلاحه، جاهز لأي حاجة.
أول ما قرب من العربية السودا الفخمة اللي كانت مركونة عند الباب، زين اتحرك بخفة وفتحله الباب الخلفي من غير ما يقول كلمة.
ناجد ركب جوّا وهو ساكت، عيونه بصّة لقدّام، كأن في حاجة في دماغه بيخطّط لها، أو معركة جاية بيستعد لها.
ورا منه، ركب زين وأيوب، وأول ما الباب اتقفل، العربية انطلقت بهدوء، بس بسرية قاتلة.
من برّه شكلها عربية مدير شركة، بس اللي جوّاها كانو رايحين لحاجة أبعد من الأوراق والاجتماعات.
المكان اللي رايحين له مش مجرّد شركة…
دي الواجهة، الستار اللي بيغطي تحته أخطر الاجتماعات وأثقل الصفقات.
رجال بأسماء تقيلة، تاريخهم سودة، ومصالحهم ملطخة.
وناجد؟
هو ما بيخافش، ولا بيتراجع.
ده اللي بيرتب الطاولة… ويقلبها لو حب.
_____
مرت تلات ساعات تقريبًا وهي نايمة في السرير، على نفس الوضعية، عينيها بصّة للسقف، ملامحها مشدودة، بس صوتها سكت.
ماعدتش بتصرخ، ماعدتش بتعيط...
إنما دماغها؟ كانت شغّالة نار.
أفكار بتخبط ببعض، صور بتطلع فجأة وتختفي، مشاعر مش مفهومة، وشعور تقيل في صدرها، كأنها غرقت في بحر ملهوش قرار.
وفجأة، قامت.
قامت ببطء، بخطوات مترددة، كأنها خارجة من غيبوبة طويلة.
بدأت تتمشى في الفيلا...
الفيلا اللي حافظاها كويس، حافظا كل ركن فيها، كل لون في الحيطان، كل ضوء بينور امتى ويطفي امتى.
هنا...
في أوضة السفرة، كانت بتاكل أكلها لوحدها.
كل يوم نفس الطقوس، طبق واحد، كرسي واحد، وصمت قاتل.
ناجد ماكانش بيرجع إلا في نص الليل، وهي كانت بتتظاهَر بالنوم، خايفة تشوفه، خايفة يتكلم، أو يمكن خايفة يسكت.
الخوف كان صاحي دايمًا.
وهنا...
في الصالة، كانت بتقعد على طرف الكنبة، تسرح في اللاشيء، وتحاول تصدق إنها متجوزة.
وفي المطبخ...
كانت بتخبّي عياطها وهي بتغسل الأطباق، صوت المية كان بيغطي على صوت قلبها المكسور.
وفي البلكونة...
كانت بتقف كتير، تبص للسماء، تتمنى تكون نجمة وتطير.
تهرب من كل ده، من الوحدة، من الصمت، من الحياة اللي مش حياتها.
رجعت للكنبة، وقعدت على طرفها، حطت وشها بين إيديها، ودماغها بتلف:
"يا ترى اللي كنت فيه ده حلم؟
ولا اللي فيه دلوقتي هو الكابوس؟
هو أنا... بموت؟
ولا… برجع أعيش حياتي من الأول؟"
وفجأة…
رن التليفون.
وقفت من غير وعي، رايحة ناحية الجهاز، بصّت عليه شوية، كأنها بتفتكره، بعدين ردّت.
وصوتها طلع...
زوجة عمها.
"إزيك يا ربى يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟ إن شاء الله مبسوطة في بيتك الجديد مع جوزك."
(صوتها كان ناعم بزيادة، بس تحته سمّ، زي كل مرة)
"على فكرة، إحنا قررنا نزورك النهارده أنا وعمك. خليكي جاهزة، ونضفي البيت كويس، متنسيش تعملي حاجة حلوة للغدا، إنتِ عروسة جديدة برضو، ولازم تفرّحينا بيك."
ربى اتجمدت.
مش من الخوف…
لكن من الصدمة.
"استني… المكالمة دي… حصلت قبل كده."
عينيها وسعت، وإيدها بدأت ترتعش، قلبها بيخبط بقوة، ودماغها بتغلي:
"ده نفس اليوم… نفس المكالمة… نفس الكلام ...
يوم عشرين من جوازي من ناجد…
ووقتها ماكلمتوش… كنت بخاف…
وجهوا وبهدلوني، وسخروا مني عشان ناجد ماجاش.
وأنا ماكنتش واكلة طول اليوم، وعندي السكر، فوقعت…
وقعدت لوحدي… محدش اهتم بيا…"
بسرعة، سكرت المكالمة في وش مرات عمها.
وسمعت صوت صرختها على السماعة
"إنتي قفلتي ف وشي؟؟؟ ربى؟؟؟"
ربى رمت التليفون، ووقفت مكانها، تايهة، بتلف حوالين نفسها، دماغها بتغلي، إيديها عرقانة، وعينيها بتدور
"هو إيه اللي بيحصل؟
هو الزمن رجع؟
أنا بعيد حياتي؟
أنا لسه عندي ٢٢ سنة؟
القدر بيتكرر؟
طب وناجد… هيموت تاني؟
وأنا هرجع بيت عمي، يرميّني في حضن راجل أكبر مني بأربعين سنة؟
كل أحلامي تتحرق؟"
سكتت فجأة…
بس نظرتها اتغيرت، صوتها طلع من بين أسنانها
"لا… المرة دي لأ. مش هسيبهم يدوسوا عليا تاني…
مش هضيع تاني…
ومش هستنى الموت…
أنا هغيّر القدر."