خطر لن تعرفه ابدا - الفصل رابع: سر الحيوان المقدس - بقلم لونا | روايتك

اسم الرواية: خطر لن تعرفه ابدا
المؤلف / الكاتب: لونا
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل رابع: سر الحيوان المقدس

الفصل رابع: سر الحيوان المقدس

--- كان الدرع يشبه قوقعة ضخمة، لكنها ليست من صخر أو معدن، بل كانت مكونة من نباتات عجيبة تلتف حول بعضها كأنها درع حيّ يحمي من بداخله. وقف الطلبة في حالة من الحيرة والارتباك، وقد ارتسمت على وجوههم ملامح الدهشة والرهبة. كانت لارا ترتجف خوفًا ودموعها تتلألأ في عينيها كحبات لؤلؤ على وشك السقوط. تقدمت نحو أدهم بخطوات مرتعشة وأمسكت بكتفيه وهي تهزه بقوة قائلة بصوت مختنق: > "أخبرنا ما الذي يحدث؟ ومن تكون أنت؟!" تنفس أدهم بعمق و بصوت هادئ: > "أتفهم ما يعتمل في صدوركم الآن، ولكن..." قبل أن يتمكن من إكمال كلماته، ترنح فجأة وسقط على ركبتيه، وقد بدأ الدم ينزف بغزارة من أنفه وعينيه. كان يمسك رأسه بكلتا يديه كأنما يحاول السيطرة على ألم فظيع يمزقه من الداخل. هرعت شروق إليه، ووضعت يدها فوق رأسه برفق. اغمضت عينيها فوضعت يديها علا رأسه و تشكلت فقاعة شفافة حول رأسه كأنها بُنيت من نور خافت. راحت تلك الفقاعة تمتص الألم شيئًا فشيئًا حتى عاد أدهم إلى حالته الطبيعية، فنهض وهو يلهث وقد ارتسم الامتنان في عينيه. > "أشكركِ يا شروق، لقد أنقذتِ حياتي." ثم نظر إلى الجمع من حوله، واردف بصوت أجش: > "منذ ألفي عام... كنت معروفًا باسم الفارس الأسود، الرجل الذي يرافقه الحيوان المختار، ويسير في طريقه نحو خمس قبائل فقط..." قاطعه صوت مليء بالفضول، كان صوت إيلا وهي تقول بتساؤل: > "ولماذا تحديدًا تلك القبائل؟" ردّ أدهم بنبرة جادة: > "دعيني أكمل... تلك القبائل تمتلك ما يُعرف بـ الهالة، وهي طاقة خفية تجعل الحيوانات تتوجه إلى أصحابها وتندمج معهم. الطفل المختار يُولد دومًا حاملاً هالة عظيمة تجذب إليه الحيوان المختار، فيصبح هذا الطفل زعيمًا لقبيلته. عندما يندمج مع الحيوان، يكتسب قوة هائلة تميزه عن الآخرين، وكل ذلك للحفاظ على توازن العالم. لكن، حدث ما لم يكن في الحسبان... حين اكتشفت العشائر الضعيفة التي تتمركز في الجزر المنسية خارج الانقسام الخمس صنعوا سائلاً قاتلًا يُبيد من يحمل هالة عظيمة، مدفوعين بالحقد والحسد من هيمنة القبائل الخمس الكبرى." ساد صمت ثقيل بينما واصل أدهم حديثه: > "قبيلة سيليفانا وكالروس ونيريا أبيدت تمامًا ولم يتبقَ منها إلا قلة نادرة، اختفوا عن الأنظار منذ ذلك الوقت. أما قبيلة فايروس فقد قاوموا ذلك السائل الملعون، لكنهم تكبدوا خسائر عظيمة، ولم يبقَ منهم إلا القليل. وأما قبيلة لوميا، فقد تعلم أفرادها كيف يُخفون هالتهم، فنجحوا في النجاة، إلا أن الشيوخ والصغار عجزوا عن ذلك، فماتوا واحدًا تلو الآخر. منذ تلك الحادثة المشؤومة، لم يعد هناك هالة كافية لاستدعاء الحيوانات، فاختفت تلك المخلوقات كأنما ابتلعها الظلام وراء تلك البوابة." في تلك اللحظة، قاطعه شيرزاد بنبرة ساخرة تخالطها الشك: > "إن كانت تلك العشائر ضعيفة كما تقول، فلماذا لم تُسخِّر قوتك لهزيمتهم؟ ألم يكن بوسعك استدعاء الحيوانات لنجدتك؟" تردد أدهم للحظات، ثم قال بنبرة مثقلة بالحزن: > "أممم... شيرزاد، أعتقد أنني ألمح في نبرتك شكًا... حسنًا، لا ألومك... ستدرك الحقيقة بنفسك." قال شيرزاد بحدة: > "أنا لا أشك في أن القبائل قد تم تدميرها، ولا في أن الحيوانات اختفت... لكنني أشك فيك، لأنك كان بوسعك إنقاذ الجميع بقوتك... ومع ذلك، لم تفعل شيئًا." نظر أدهم إلى الأرض في خجل، وكأن نظرات شيرزاد اخترقت جدران قلبه. > "نعم... أعلم أنك على حق." رفع شيرزاد حاجبيه قائلاً بحدة: > "إذن، لماذا لم تفعل؟! هل فضّلت النوم في هدوء بينما العالم يحترق؟!" رفع أدهم رأسه والدموع تنساب على وجنتيه، حتى ابتلت لحيته وهو يقول بصوت مرتجف: > "لأنني... لأنني كنت في سباق مع الزمن... حاولت الوصول، لكن الوقت كان قد فات..." ثم صمت برهة واردف: > "في عالم بعيد عن عالمكم، كانت هناك مملكة تُدعى إلمور، حيث يعيش البشر جنبًا إلى جنب مع المخلوقات الخيالية... تلك المخلوقات كانت في الواقع الحيوانات نفسها التي تأتي إلى القبائل الخمس.. في هذه المملكة، عاشت قبيلتي، قبيلة أورورا. كانت قبيلة قادرة على الاندماج مع عناصر الطبيعة، فنستطيع التواصل مع الأشجار والحيوانات والنباتات والاستفادة من قواها. .وأنا كنت جزءًا من الجيش الحارس للمملكة. ولكن الملك مرض بسبب افراطه في استخدام عناصر الطبيعة، وعادت عليه بالسلب وتوفي... وصدفة، كان ذلك الموسم هو اختيار مشرف لقوة الاندماج مع الطبيعة، وهو الشخص الذي سيتواصل مع العالم الخارجي، وهو عالمكم، ليتحكم في الحيوانات، التي هي نفسها المخلوقات الخيالية، ويعطيها لطفلكم المختار من القبائل الخمس. هكذا تسير الأمور بسلاسة كنا نلقى بعض الكلمات التقديرية للملك وإخلاصه وحسن قيادته. في عزاء الملك، حل الليل و كانت الليلة باردة، والريح تعصف كأنها تبكي مع السماء. حين عدتُ إلى منزلي، كان الظلام قد لفّ المكان، لكنني شعرتُ بوميض نار خافت يتراقص خلف النافذة. تقدمتُ ببطء، وأذناي تلتقطان أنينًا مكتومًا... كان صوت زوجتي. هرعتُ إلى الداخل، فوجدتها مستلقية على الفراش، عرقها يتصبب، وعيناها نصف مغلقتين. > "أدهم... الطفل... قادم..." نظرتُ إليها برعب، ودمائي تجمدت في عروقي. لم أكن مستعدًا لهذا... ليس الآن. خرجتُ كالمجنون أركض بين الطرقات، أبحث عن معالج... عن أي شخص قد ينقذها. عندما ظننت أنني سأفقد الأمل، لمحتُ عجوزًا تنحني فوق سلة أعشاب. أمسكتُ بيدها وصرختُ: > "أرجوكِ... زوجتي... إنها..." قاطعتني بعيون حكيمة: > "اهدأ يا بني... خذني إليها." ركضنا معًا عائدين إلى المنزل، وفي كل خطوة كنت أشعر أن قلبي يخرج من صدري. دخلتُ إلى الغرفة... كانت تتنفس بصعوبة، وجهها شاحب كالثّلج. جلست العجوز بجوارها، وأمرتني بإحضار الماء الساخن وبعض الأقمشة. مرّت الساعات بطيئة كأنها دهور... صرخاتها كانت تمزقني كأنها سهام تخترق صدري. وأخيرًا... سمعنا بكاءً ضعيفًا. > "إنها فتاة..." قالتها العجوز وهي ترفع مولودتي الصغيرة بين يديها. اقتربتُ ودموعي تغمر وجهي، لكن... لكن زوجتي لم تكن تبتسم كما توقعت. كانت شفتاها تتحركان بصعوبة، وكأنها تهمس لي بأغلى كلماتها: > "أرجوك... هذه قطعة من روحي... اعتنِ بها كأبٍ، واحببها كأخ، وكن لها صديقًا يُسعدها..." ثم أغمضت عينيها، وصمتت للأبد. تجمدتُ مكاني، وكأن الزمن توقف. صوت بكاء طفلتي كان يتردد في أذني كأنه طعنات خنجر في صدري. جلستُ بجوار زوجتي، أمسك بيدها الباردة، ودموعي تسقط فوق كفّها الهامد. لم أعلم كم مرّ من الوقت وأنا هناك... كل ما أتذكره أنني دفنتها تحت شجرة البلوط التي أحبّتها يومًا. عدتُ إلى المنزل، حيث كانت طفلتي نائمة، وجهها الهادئ يشبه وجه أمها... جلستُ بجانبها، ومسحت الدماء عن وجهها الصغير. كانت جميلة... جميلة كأنها زهرة تفتحت في قلب العاصفة. وضعتها بجانبي على الفراش، واحتضنتها بين ذراعيّ كأنني أتشبث بآخر ما تبقى لي من العالم... ثم غلبني النوم أخيرًا، بينما كانت دموعي ما تزال تنساب على وجنتي سكت أدهم وقد خيم الصمت على الجميع، لم يُسمع سوى أنفاسهم المتلاحقة، وكأنهم غرقوا في أعماق الحزن الذي سرده لهم.