الفصل الثالث: سر القط الابيض
كان راجس يتقلّب في حيرة عميقة، عاجزًا عن فك رموز الكلمات التي تفوه بها شيرزاد. ولما ولج الأخير إلى القاعة الدراسية، خطا راجس خطوات مثقلة بالقلق نحو مغسلة. هناك، أفرغ وجهه بالماء العذب، ثم نظر في المرآة اللامعة التي عكست عينيه المضطربتين. تمتم لنفسه بصوت خافت: "كيف تمكن من كشف أمري رغم كل الحذر الذي أحطت به نفسي؟ أيمكن أن تكون طاقة هالتي قد تسربت أثناء استخدامي لقواي؟ لا، هذا مستحيل... شيرزاد لا علم له بسر قوتي. ولكن ماذا كان يعني بتلك النظرة التي زعم أنها كشفتني؟"
صمت هنيهة، ثم اتسعت حدقتا عينيه في ذعر، وكأنه تذكر أمرًا مهيبًا. همّ بالكلام، إلا أن صوت طرق خفيف قطع أفكاره. التفت صوب الجهة اليمنى حيث النافذة القديمة ذات القضبان الحديدية، ليبصر قطًا أبيض ناصع البياض يربض هناك، يضرب الزجاج بأنيابه الصغيرة. ابتسم راجس ونادى القط بصوت دافئ :بس بس بس، فتقدّم إليه الحيوان بحيوية. انحنى راجس يداعب فراءه الناعم كأنه يبحث عن طمأنينة بعيدا عن افكاره
لكن سرعان ما ارتفع صوت شروق من البعيد يناديه بنداء يشوبه العتاب: "راااجس! المعلم يذكرك بأنك تأخرت عن الدرس!" انتفض راجس من مكانه، وهبّ مسرعًا، تاركًا القط الأبيض خلفه، يتبعه بنظرات حالمة.
وما إن خرج راجس من الحمام حتى بدا المشهد وكأنه مسرح أسطوري. فجأة، ومن دون سابق إنذار، ظهر رجل أربعيني بديع المظهر. كانت لحيته السوداء يتخللها خصلات بيضاء كأنها وشاح الزمن. جسده كان قوي البنيان، وملابسه أنيقة مطرزة بحبال من حرير وزخارف ذهبية تزيده هيبة. كان الرجل يمسك عكازًا فخمًا مرصعًا بالأحجار الكريمة التي تتلألأ تحت نور الشمس. رسم على شفتيه ابتسامة تنضح بالشكر والرضا، ثم تحدث بصوت غليظ، عميق النغمات، أشبه بنغمة ترددها الجبال: "لقد طال بي المقام في هذه الهيئة...لأكثر من 2000 سنة...
نعم، يا عزيزي القارئ، الرجل الأربعيني هو نفسه القط الأبيض الجميل الذي كان قد اختبأ في هذه صورة
. همس الأربعيني بصوت منخفض: "لم أكن أعلم أنني سأجد القبائل الخمس هنا معًا، وقبل رجل الأختام الخمس. هذا يطمئنني." خرج من الحمام واتجه نحو القاعة تدريب.
...........
بعدما خرج راجس من الحمام، التقى بشروق في طريقه، فاستمروا في الركض معًا نحو الصف. ولما وصلوا، طرق راجس الباب، وفتح لهم المعلم: "هيا، ادخلوا واجلسوا على الكراسي، لقد ضيعتم الحصة بسبب تماطلكم." جلس راجس بجوار شيرزاد، وكان الأخير يجلس مشبكًا يديه، مائلًا برأسه وينظر إلى الأرض في وضع هادئ جدًا.
قاطع راجس هدوءه بصوت منخفض، وقال له: "لا نعلم ماذا يختبئ في هذه الوجوه الهادئة." فابتسم شيرزاد ورد عليه قائلًا: "كلما ارتقى عقل الإنسان، قلت رغبته في الضجة. فهذا الهدوء يدل على كبر عقلي."
في تلك اللحظة، قاطعتهم رنيم : "لماذا لا تعطونا القليل من الصمت؟ نريد فهم ما يقوله المعلم." وفي لحظة من الصمت، سمع الجميع صوت خطوات شخص تتصاعد بشكل عالٍ. وعلى الرغم من أن الباب كان مغلقًا، إلا أنه فُتح ليدخل منه الرجل الأربعيني بمفرده.فبدأت النباتات والأشجار الصغيرة تنتشر في الصف، وبدأت تغطي السقف وتغزو كل شيء في المكان. نظرت الفتيات والفتيان بدهشة وتعجب، ثم تبعهما الخوف. ومع كل خطوة يخطوها الأربعيني نحوهم، تتعانق الزهور وترقص الأشجار. كانت خطواته تنبعث منها قوة لا تضاهى، ويحمل في داخله السر الذي يمكنه تغيير مجرى الأحداث. أصبحت القلعة كلها غابة بسبب قوة هذا الأربعيني.
استيقظت رنيم من عمق تأملها، وجهها يعكس دهشة لا توصف. تساءلت بصوت مرتفع: "من أنت؟ وكيف استطعت فعل كل هذا؟" ثم رمت نظرة سريعة نحو صديقتها، على أمل العثور على إجابات لتساؤلاتها العديدة. ولكن كل ما وجدته كان شروق ولارا يحاولان بكل جهدهما إعادة إيلا إلى وعيها.
ألقت نظرة أخرى نحو الأولاد، فوجدتهم في حالة من الذهول والتعجب. ثم أعادت توجيه انتباهها نحو الأمام، حيث كان الأربعيني ينتظرها بابتسامة خفيفة. فأظهرت رنيم ردة فعل سريعة وتراجعت قليلاً للخلف، ثم سألته بصوت مرتجف: "مَن، مَن أنت؟" فأجاب العجوز بابتسامة واسعة ومريحة، كأنها تحمل في طياتها كل الأجوبة التي قد ترضي رنيم.
شعرت رنيم براحة غامرة من ابتسامة الأربعيني،الا انها لم تعرف السبب وراء هذا الشعور الغريب الذي يتملكها. كان قلبها ينبض بشدة، وكأن شيئًا ما يهمس لها من أعماق اللاوعي. وقف الرجل الأربعيني أمامها بثبات، عيناه الحادتان تلمعان تحت ضوء الشمس الخافت كأنهما تخفيان سراً عميقاً. قال لها بنبرة ثابتة مفعمة باليقين:
"أنتِ من قبيلة (فايروس)."
رفعت رنيم حاجبيها بدهشة، ثم ردت بصوت حاولت أن تجعله خالياً من التردد:
"وماذا إن قلت نعم؟"
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة، وكأن إجابتها حملت له مفتاحاً كان يبحث عنه منذ زمن بعيد، ثم اردف بهدوء:
"حسنًا، هذا سيكون في مصلحتي."
انطلق بخطوات حازمة نحو شروق ولارا وإيلا، التي كانت ممدة على الأرض، فاقدة للوعي. الهواء كان يعبث بخصلات شعرها الذهبي، والظل الذي ألقته شجرة قريبة بدا وكأنه يراقب ما سيحدث. طلب الرجل منهم الابتعاد قليلاً بصوت خفيض لكنه آمر.
تراجعت شروق بخطوات بطيئة، بينما تمسكت لارا بذراع أختها إيلا بقوة، وكأنها تحاول حمايتها من شيء مجهول. صاحت لارا بفزع، وصوتها يحمل نبرة دفاع مستميت:
"م... ماذا تريد أن تفعل لأختي؟ ابتعد عنها، يا هذا!"
لكن الرجل لم يلتفت لصراخها. انحنى فوق إيلا، ومد يده نحوها بحركة بطيئة، كأن الزمن قد توقف للحظة. لامست يده جبينها برفق، وما أن فعل ذلك حتى حدث ما لم يكن في الحسبان. فجأة، ارتعشت إيلا قليلاً، ثم فتحت عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من حلم طويل.
شهقت لارا بصوت عالٍ وركضت نحو أختها، تعانقها بقوة وكأنها تخشى أن تفقدها مرة أخرى. دموعها انهمرت بلا توقف وهي تهمس بصوت مختنق:
"كنت أعتقد أنه يريد قتلك... ظننت أنكِ لن تعودي!"
نظرت إيلا إلى أختها بحيرة، ثم رفعت رأسها قليلاً وسألت بصوت متعب:
"من...
اجابت لارا :هذا الرجل"
استدارت لارا بسرعة نحو الرجل الأربعيني، ونظراتها تحمل مزيجًا من الحيرة والارتباك. سألته بصوت مرتجف:
"ماذا فعلت لها؟ عندما وضعت يدك عليها، لماذا استفاقت بهذه السرعة؟"
أجابها الرجل بهدوء، وكأن ما فعله كان أمراً عادياً تماماً:
"لقد عدّلت من هالتها فقط."
ساد الصمت للحظة، بينما تبادل الجميع النظرات المليئة بالدهشة. كانت الرياح تداعب الأوراق المتساقطة على الأرض، وصوت الطيور البعيدة يعمق الإحساس بالغموض.
ثم أردف الرجل قائلاً، وكأن شيئاً ما خطر في ذهنه فجأة:
"هل أنتِ وأختك من قبيلة (لوميا)؟"
تراجعت لارا خطوة إلى الخلف، وعيناها تتسعان في صدمة واضحة. سألت بقلق:
"كيف عرفت هذا؟ إن الأمر لا يطمئنني أبدًا."
لم يجب الرجل مباشرة، بل نظر إلى السماء للحظة، وكأنها تحمل له الإجابة. ثم استدار بخطوات ثابتة نحو الأولاد الذين كانوا يقفون على مسافة ليست ببعيدة، يراقبون بصمت ما يحدث.
قطعت رنيم الصمت بصوتها الواضح، الذي حمل نبرة تحدٍ:
"إذا كنت تعتقد أنهم من القبائل الأخرى، فيؤسفني أن أخبرك أن كل من قبائل (كالروس) و(سيلفانا) و(نيريا) قد انقرضوا ولم يعد لهم أثر. القبائل الوحيدة التي تبقت من القبائل الخمس هي (فايروس) و(لوميا)."
صمت الرجل للحظة، وألقى نظرة عميقة على الأولاد، ثم أكمل طريقه. بدا وكأنه يحمل على كتفيه عبئاً ثقيلاً، لكن خطواته لم تتردد. اقترب منهم ببطء، بينما الشمس بدأت تنحدر نحو الأفق، تلون السماء بدرجات من البرتقالي والأرجواني، وكأنها ترسم نهاية فصل وبداية آخر
اقترب أكثر، وعندها بدأ راجس يتراجع بخطوات متعثرة، وعيناه تراقبان الأربعيني برعب واضح. كان يتمتم بكلمات مبعثرة، بلا معنى واضح، لكنها تحمل نبرة من الهلع. بدا وكأن شيئًا في داخله قد انكسر.
فجأة، أمسك الأربعيني بعكازه بقوة وضربه على الأرض بقوة لا توصف. ارتجت الأرض من حولهم، واهتزت الأشجار القريبة حتى تساقطت بعض أوراقها. صوت الضربة كان كالرعد، تبعه زلزال صغير جعل الجميع يتمايلون في أماكنهم للحفاظ على توازنهم.
من تأثير تلك الضربة، انبثقت نبتة عملاقة من باطن الأرض، كأنها وحش أسطوري استيقظ من سبات عميق. كانت النبتة ذات سيقان ملتوية تشبه الأفاعي، وأوراقها عريضة وقاسية كالدروع. اندفعت تلك النبتة بسرعة خاطفة نحو راجس، وأحاطته من جميع الجهات. أمسكته بقوة من يديه وقدميه، وكأنها قيود حية لا فكاك منها.
الجميع شهقوا بدهشة وهم يراقبون المشهد، بينما كانت النبتة تهتز وكأنها تتنفس. هذه النبتة لم تكن شيئًا عاديًا، بل كانت واحدة من أوراق الرجل الأربعيني الرابحة، معروفة بقوتها الخارقة وقدرتها على السيطرة على أي هدف.
اقترب الأربعيني من راجس بخطوات هادئة، وكأنه يستمتع بكل لحظة. توقف أمامه تمامًا، وانحنى قليلاً نحوه، ثم سأل بصوتٍ خافت لكنه حاد كالسيف:
"لماذا تهرب؟"
حاول راجس أن يتحدث، لكن الكلمات كانت تتعثر في حلقه. أخيرًا، أجاب بصوت متهدج، يحمل نبرة ندم مكبوت:
"لا أريد أن يتكرر الماضي..."
رفع الأربعيني حاجبه قليلاً، وكأن الإجابة أثارت اهتمامه. ثم قال بنبرة متفحصة:
"إذن، تستطيع استرجاع الذكريات؟"
تردد راجس للحظة، ثم هز رأسه ببطء، وعيناه الواسعتان تلمعان بالخوف. همس بصوت بالكاد يُسمع:
"هل... هل أنت الفارس الأسود؟"
ابتسم الرجل الأربعيني، تلك الابتسامة التي كانت تحمل مزيجًا من الغموض والقوة. ثم أجاب بهدوء:
"نعم، أنا هو. ويمكنك أيضًا أن تناديني بأدهم."
عينا راجس توسعتا في صدمة لا توصف. شعر وكأن قلبه قد توقف للحظة. حاول أن يتحدث، لكن الكلمات خرجت متقطعة:
"دعني... أرجوك... لا أريد أن يتكرر المشهد... لقد عانيت كثيرًا لكي أتخطاه."
نظر إليه أدهم بلطف غير متوقع، ثم قال بنبرة هادئة لكنها تحمل قوة غامضة:
"إذًا، أنت هو صاحب الغراب الأسود."
تجمد راجس في مكانه، وكأن الزمن قد توقف. لم يصدق ما سمعه، وسأل بدهشة لم يستطع إخفاءها:
"كيف... كيف عرفت؟"
ابتسم أدهم ابتسامة صغيرة، كأنه كان يتوقع السؤال، ثم أجاب:
"من كلامك. قلت إنك لا تريد أن يتكرر الوضع، وهذا يعني أن ذكريات أجدادك قد انتقلت إليك. أنت لا ترغب في مشاهدة المزيد من الأرواح تُذبح أمامك، أليس كذلك؟ لأنك رأيت كل ما حدث في..."
صمت أدهم للحظة، وكأن الكلمات كانت ثقيلة حتى عليه. كان صوت الرياح يملأ الفراغ، وأوراق الأشجار تصدر همسات خافتة كأنها تشارك في الحديث. راجس، الذي بدا وكأنه محاصر ليس فقط بالنبتة بل بذكرياته أيضًا، لم يتمكن من الرد. عيناه كانتا شاخصتين نحو أدهم، وكأنهما تبحثان عن إجابة أو خلاص.
قال أدهم بنبرة هادئة لكنها تخفي في أعماقها قوة لا يُستهان بها:
"أنت الوحيد الذي عرفني هنا، على الرغم من أني ظهرت في هيئتي الثانية التي لم أظهرها منذ ألف عام. هذا يعني أنك رأيتني في ذكرياتك، وهي نفس ذكريات أجدادك التي تم تمريرها إليك. استنتجت ذلك أيضًا من طولك المذهل وجسدك القوي الذي استطاع تمزيق نبتتي، تلك النبتة التي تُعد واحدة من أقوى أسلحتي. أضف إلى ذلك خفة حركتك أثناء هروبك. لذلك، أنت بلا شك الولد الوحيد المتبقي من عشيرة (كالروس)."
كان راجس يقف هناك متجمداً، كل عضلة في جسده متوترة، بينما كانت عيناه تتسعان في دهشة متزايدة. كان يراقب أدهم بدهشة وإعجاب، وكأن كلماته اخترقت أعماق كيانه. ثم قال بصوت متردد، لكنه يحمل فضولًا حقيقيًا:
"كيف عرفت أنني قد مزقت نبتتك؟ أنا كنت حريصًا جدًا ولم أترك أي أثر."
ابتسم أدهم، تلك الابتسامة التي لا تحمل سوى الغموض، ثم أجاب بهدوء:
"إنها نبتتي، فبالتأكيد استشعرت ألمها وهي تتقطع. النبتة ليست مجرد أداة عادية، إنها جزء مني. بالإضافة إلى ذلك، استنتجت عشيرتك من خلال ملاحظتي للأشياء الصغيرة؛ طريقة حركتك، قوتك، وحتى التردد في خطواتك أثناء الهرب. لكن ليس ذلك فقط..."
توقف أدهم للحظة، وكأن كلماته القادمة كانت أثقل من أن تُقال بسهولة. ثم أضاف بنبرة أعمق:
"هناك أشخاص يمتلكون القدرة على اكتشاف عشيرتك من خلال أعينهم الحادة. هم يرون من خلالها تدفق الهالة بداخلك، ويمكنهم معرفة تفاصيل قوتك... وحتى سر حيوانك الروحي."
كانت كلمات أدهم كالسيف الذي يشق الظلام المحيط بعقل راجس، لكنها في الوقت نفسه أشعلت فيه نيرانًا من الاضطراب والخوف. لم تكن عيناه قادرتين على الابتعاد عن أدهم، وكأنهما تبحثان عن إجابة لأسئلة لم تُطرح بعد.
فجأة، ومع تلك اللحظة التي بدا فيها أن كل شيء قد هدأ، غيَّر راجس موقفه. دفع بكتفيه بعزم، وشد عضلاته حتى بدت كأنها تتحفز لمعركة جديدة. في لحظة واحدة، وبحركة فاجأت الجميع، فتح راجس القيد الذي كانت النبتة تغلقه حوله بقوة خارقة.
انطلقت أغصان النبتة في جميع الاتجاهات، وكأنها وحش غاضب تم تحريره للتو. كان المشهد أشبه بعاصفة جامحة، حيث امتدت الأغصان في جميع أنحاء المكان. أحد الأغصان، وبسرعة غير متوقعة، اخترق الهواء مباشرةً نحو رقبة المعلم الذي كان يراقب الموقف من بعيد، وكأن قوى الطبيعة نفسها قد انقلبت ضده.
لم يكن هناك وقت للتدخل أو حتى إدراك ما يحدث. في لحظة خاطفة، اخترق الغصن رقبة المعلم بفعل قوته الهائلة، وفصل رأسه عن جسده بطريقة بشعة لا يمكن وصفها.
رأسه المقطوع سقط على الأرض بصوت مكتوم، بينما جسده بقي واقفًا لوهلة، قبل أن ينهار ببطء.
ظل الدم يتدفق بغزارة من الرقبة المقطوعة، مثل شلال أحمر يلطخ الأرض ويحولها إلى لوحة مرعبة تتحدث عن العنف والموت. كان المشهد صادمًا لدرجة أن الجميع وقفوا متجمدين في أماكنهم، لا يجرؤون على الحركة أو حتى التنفس.
أما راجس، فقد وقف في مكانه، يلهث بشدة، وعيناه تشتعلان بنظرة لا يمكن تفسيرها. كان مزيجًا من الغضب، والندم، والخوف. الأغصان من حوله بدت وكأنها تستجيب له، تتحرك بتوجيه غير مرئي، وكأنها امتداد لجسده.
نظر أدهم إلى المشهد بهدوء غريب، وكأن ما حدث لم يكن مفاجئًا له على الإطلاق. ثم قال بصوت منخفض، لكنه حمل نبرة عتاب:
"غريب ان نبات تصنف من الكائناات المسالمة فلماذا تعمدت نبتي نحر لمعلم؟."
فسمع صرخات رنيم وتؤمتان تعلو في المكان، وهن يرددن بصوت خائف "ابعد عنا هذه الديدان، ابعدها!"
ركض راجس مسرعًا نحو الفتيات وابعدهن من ذلك المكان وذهب وراءه أدهم لكي يتفقد دودة فحملها بيديه. فتحجرت يده ورمى الدودة وسرعان ماقطع يده المتحجرة قبل أن ينتشر التحجر في جسمه بالكامل
بدأ يبحث بعينيه لعله يجد مصدر خروج هذه الدودة. قال شيرزاد بصوت عالي: "إنها من المعلم، مصدرها من المعلم." ذهب أدهم إلى جسد وبدأ يبحث بتمعن عن مكان الذي تخرج منه الدودة فصعب عليه ايجدها. اقترب شيرزاد من الجثة وارى أدهم المكان، حيث كان ذلك المكان صغيرًا جدًا حتى العين المجردة لا تستطيع أن تراه. و على الرغم من أن شيرزاد كان بعيدا من الجثة، إلا أنه رأى مكان الذي تخرج منه الدودة. نظر أدهم إلى شيرزاد بدهشة واعجاب فالقى بنظره نحو راجس كأنه يقول: "أظنك عرفت ما كنت أقصده بالذين يستطيعون اكتشاف أي شيء بأعينهم، حتى عشيرتك. فاعادة نظره نحو الجثة." وبدون مقدمات انفجرت الجثة وأطلقت سائلًا يذيب الحديد، فابتعد الجميع منها بخوف واشمئزاز. قال شيرزاد: "غريب، النبات ترمز دائما لنقاء وسلام فالماذا تصرفت بعدوانية ولما خرج من الجسد الدود وهذا السائل المذيب أظن أنها
راجس:تظن انها ماذا؟؟؟
شيرزاد: تخفي شيئًا وان هذا سائل دفاعاً عن شيء ما ." قاطع أدهم كلام شيرزاد وعيناه تحمل نظر خوف اما صوته يحمل نبرة استكشافية لشيء عظيم وهو يردد : "إنه جاسوس
شيرزاد :ماذا قلت؟
ادهم :انه ليس معلمكم
راجس :ماذا دهاك ياهذا؟
ادهم :صدقوني الامر لا يطمئن!"
فأسرعا بأخرج كمية كبيرة من نباتاته على امل ان يصنع منها واقي ليحمي بيها طلاب.