الفصل الاولى : اساطير القبائل الخمس
بعد حادث مدمر غيّر ملامح العالم، انشطرت الأرض إلى خمسة أجزاء متباعدة. الشمال، الجنوب، الشرق، الغرب، وجزء خامس في المركز، كالقلب النابض بين أطراف متفرقة. في كل جزء، نشأت قبيلة مميزة، كزهرة فريدة نبتت وسط الخراب، لكل منها عاداتها وتقاليدها التي شكلت بيئتها الخاصة.
كل قبيلة يحكمها قائد فريد، لكنهم لم يصلوا إلى الحكم بالوراثة أو القوة البشرية وحدها. كانت أرواح الحيوانات هي من تختار الحاكم، وتجسد قوتها فيه. هذه الأرواح، التي تُعتبر جوهر الأرض وروحها الحامية، لا تختار إلا من يحمل الصفات التي تستحق القيادة: الشجاعة، الحكمة، والتضحية. كل قبيلة تنتظر بفارغ الصبر اللحظة التي تظهر فيها روحها لتحدد الشخص المختار، لأن مصير القبيلة بأكملها يعتمد على هذا القرار.
وصف القبائل:
في الشمال، حيث تمتد الجبال المغطاة بالثلوج، استقرت قبيلة "كالروس":
يتحركون برشاقة قطرات المطر في الهواء، أجسادهم تتحدى قوانين الطبيعة كما يتحدى النور الظلام. في عيونهم تلمع أسرار الخلود، وفي حركاتهم تتجلى رشاقة الفهود. كأن الزمن عقد معهم معاهدة سلام، فلا تنال منهم السنون.
في الشرق، حيث السهول المفتوحة والرياح الدافئة، ظهرت قبيلة "لوميا":
نساؤها كقطع القمر تمشي على الأرض، أصواتهن كهمس النسيم في حقول الزهور. جمالهن يفوق وصف الواصفين، كأنهن قصائد شعر تجسدت في هيئة بشر. سحرهن يتغلغل في النفوس كما يتغلغل ضوء الفجر في ظلام الليل.
في الجنوب، بين الرمال الحارقة والكثبان المتحركة، قامت قبيلة "سيلفانا":
صلابتهم كجذور الأشجار العتيقة، وإرادتهم كالجبال الراسخات. ولاؤهم أعمق من أخاديد المحيط، وشرفهم أرفع من قمم الجبال. يقفون كالأسوار المنيعة أمام عواصف الزمن، صامدين كالصخر، أوفياء كالظل لصاحبه.
.
أما في الغرب، قرب الشواطئ الممتدة، سكنت قبيلة "نيريا":
عقولهم كشفرات الماس تقطع ظلام الجهل، يتحركون بخفة الظلال . كل خطوة يخطونها محسوبة كدقات ساعة الزمن، وكل كلمة ينطقونها موزونة كقطرات الندى على أوراق الورد. قادتهم كالصقور يرون ما لا يراه غيرهم.
وفي قلب العالم، حيث تتقاطع الطرق بين القبائل، ظهرت قبيلة "فايروس":
تتدفق دماؤهم كالحمم البركانية في عروقهم، قلوبهم كمواقد دافئة في شتاء قارس، وأرواحهم كألسنة اللهب ترقص في سماء الحرية. حين يغضبون، يتحولون كإعصار من نار يجتاح كل ما يعترض طريقه. نقاء قلوبهم كصفاء ينبوع جبلي، لكن غضبهم كالبركان المستيقظ من سبات عميق.
---
"جدتي. جدتي، نحن من قبيلة فايروس، لماذا لم يأتِ الحيوان المختار حتى الآن؟"
قال "نايل"، الطفل الصغير، بصوت مملوء بالبراءة، وعيناه الواسعتان تلمعان تحت ضوء المصباح الزيتي. كان يجلس مقابل كرسي الجدة الخشبي، الذي يصدر صريرًا خفيفًا مع كل حركة، كأنه يشارك في الحوار.
ابتسمت له الجدة بحنو، ووضعت يدها المرتجفة على رأسه برفق. "يا صغيري، الأرواح الحامية تعيش في عالم آخر، عالم وراء بوابة خفية. منذ ألفي عام، أُغلقت هذه البوابة التي تربط بين العالم البشري وذلك البعد بسبب خطأ بشري أو ربما حدث كوني ومنذ ذلك الحين لم تتمكن الأرواح من العودة." لانهم يحتاجون الي المفتاح لاعادة فتح البوابة ...
حدّق نايل في وجهها بفضول واندهاش، ثم سأل بلهفة: "ما هو المفتاح لإعادة فتح البوابة، يا جدتي؟"
توقفت الجدة للحظة، وكأنها تتردد في الكشف عن السر. "المفتاح هو ..."، ولكن قبل أن تكمل حديثها، انفتح باب الغرفة فجأة، ودخلت "رنيم"، فتاة في السابعة عشرة من عمرها، بخطوات متسارعة وصوت عالٍ يحمل مزيجًا من السخرية والإنكار.
"جدتي! هل لا تزالين تروين هذه الحكايات الخرافية للأطفال؟" قالت وهي تنظر إلى نايل بتهكم. "وأنت، ألا تفكر في شيء سوى هذه الأساطير؟ العالم لا يحتاج إلى حيوانات مختارة أو بوابات خفية. هذا مجرد هراء."
رنيم، بفستانها الطويل المبطن بالريش، ووجهها الذي حمل ملامح الغضب واللامبالاة، لم تنتظر ردًا. ألقت حقيبة صغيرة على الطاولة وقالت بحدة: "كنت أبحث عن هذا. والآن، سأذهب قبل أن أسمع المزيد من هذه الخزعبلات."
الجدة، بنبرة هادئة ولكنها حازمة: "رنيم، لا تنسي أنكِ من عائلة فايروس، وأن لهذه الحكايات جذورًا أعمق مما تعتقدين. يومًا ما ستدركين الحقيقة."
رنيم، وهي تتجه نحو الباب: "الحقيقة الوحيدة هي أن العالم يحتاج إلى عقول قوية، وليس إلى خرافات عن أرواح وحيوانات!" ثم خرجت وهي تغلق الباب بعنف.
بعد مغادرتها، عاد نايل لينظر إلى جدته بوجه مليء بالأسئلة. "جدتي، لماذا هي دائمًا غاضبة؟ لماذا تتحدث بهذا الأسلوب؟"
تنهدت الجدة وأجابت بابتسامة حزينة: "رنيم فتاة طيبة، لكنها تمر بفترة صعبة. فقدت خالتها، التي كانت بمثابة أم لها، ووالديها اختفيا منذ سنوات طويلة في ظروف غامضة. هذا الألم جعلها قاسية بعض الشيء، لكنها لم تفقد قلبها الطيب."
سكتت للحظة ثم أضافت بصوت خافت: "ربما القدر يختبرها، ."
تراجع نايل قليلاً وقال بدهشة: "ماذا تقصِدين ياجدتي ؟"
ابتسمت الجدة ولم تجب، بل غمغمت بصوت خافت وكأنها تخاطب نفسها: "كل شيء سيظهر في وقته، يا صغيري... كل شيء."
ساد الصمت في الغرفة، إلا من صوت الرياح التي تصطدم بالنوافذ، وكأنها تُسرّب سرًا دفينًا.
"هل فهمت الآن؟" قالت الجدة وهي تضع يدها على رأسه مجددًا.
هز نايل رأسه موافقًا، رغم أنه لم يفهم كل شيء، وقال بحماس: "فهمت يا جدتي! شكرًا لأنكِ دائمًا هنا من أجلنا." ثم رمى نفسه في حضنها، بينما كانت أفكارها تحلق بعيدًا، تتساءل: "هل سيعود؟