رِواية سِفار مملكة الرمال - في أرض الجن/مملكة ناراك - بقلم رانيا لمايسي | روايتك

اسم الرواية: رِواية سِفار مملكة الرمال
المؤلف / الكاتب: رانيا لمايسي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: في أرض الجن/مملكة ناراك

في أرض الجن/مملكة ناراك

في مملكة ناراك، لم يكن الليل كما نعرفه، بل كان حياة كاملة تبدأ فقط حين تغرب الشمس. القباب مذهّبة تتلألأ، والمآذن شاهقة نحو السماء. الجدران من المرمر الداكن، مزخرفة بأحرف متوهجة، والنوافذ تشع بألوان الطيف. الممرات بين الأبنية ملتفة تشبه المتاهات، لا يجرؤ على سلكها إلا من ترعرع فيها. في شوارع مملكة ناراك، ارتفعت أصوات أطفال الجن الصغار، يرتدون أقنعة غريبة على شكل رؤوس حيوانات، يخفون بها وجوههم الصغيرة. يركضون ويقذفون بعضهم بحجارة داكنة تشبه الفحم، تتطاير شراراتها عند اصطدامها بالجدران، فتعلو ضحكات أمهاتهم اللواتي يراقبنهم من خلف النوافذ. مخلوقات غريبة الأطوار تتفاوض، تساوم وتضحك بأصوات مختلفة؛ بعضها له ثلاثة رؤوس، وبعضها يطفو فوق الأرض، وآخرون بأجنحة شفافة كأنها زجاج. الروائح غريبة، مزيج من المسك والعنبر والدخان المُسكر، تفوح من عربات الباعة التي تعرض: توابل لا تُعرف أسماؤها، فواكه وخضار بأشكال مختلفة، أقنعة تنبض وكأنها حية، وكتب تُفتح وتُغلق من تلقاء نفسها. تلفّتت بدر بعينيها بدهشة مذهولة. يوجد صف طويل من الخيام المفروشة على جانبي السوق، حيث اصطفت نساء الجن، جميلات بملامح لا تشبه أي جنس عرفته، يتمايلن بثياب حريرية تشع كأنها من نيران حيّة، ويساومن الباعة على أقمشة تتنفس، وعلى حُلي تتوهج. رائحة مشاوي العظام واللحم المحروق ملأت الهواء، كأنها تنادي غرائز لا تنتمي للبشر. على الرصيف المقابل كان بهو مفتوح تتوسطه حلقة نار، يؤدي فيها ساحر مكلل بضوء ناري عروضاً تشبه الحلم... لمعت عينا بدر بدهشة ثم همست: "حياتهم... مثلنا، بل أكثر حياة." شدّ جمر كتفها من الداخل وهمس بصوت خفيض، كالسكاكين: "لا تتحدثي. صوتك قد يجذب المتسوقين من الممالك الأخرى... غرباء الجن لا يرحمون من تنبع منه رائحة البشر." شهقت بهدوء واستسلمت لصمت جمر، مكتفية بمراقبة الحشود. أخذها عبر ممرات سرية مظلمة، مضاءة بأضواء خافتة، محاولاً إخفاء رائحتها البشرية حتى لا يتقفى أحد من الجن أثرها. بينما كانا يمشيان، حاولت بدر أن تخرج رأسها قليلاً من قبضته لتتنفس، فقد كانت تتعرق بشدة من الحرارة المنبعثة منه، لكنه خفف من حرارته كي لا تحترق. قبل أن يصل "جمر" إلى الممر السحري، جاءه نداء من وسط السوق: "يا ذو العينين الحمراوين!" سمع جمر النداء لكنه تظاهر بعدم الاكتراث، وهمس لبدر بصوت مشدود: "إيّاك أن تتحركي أو تنطقي بحرف. لو اقترب مني، دعيني أتولى الأمر... إنه أمير إحدى الممالك المجاورة، وأخطر مما تظنين." ركلت بدر مخالبه بخفة لتبعد يده المحترقة عن كتفها، مشيرة بأنها سمعته. نظر إليها جمر بنصف ابتسامة وقال: "فيكِ من الدهاء ما يُقلق." عاد الصوت مرة أخرى، هذه المرة أعلى، وفيه نبرة سخرية واضحة: "أيها الجمر العجوز، أما زلت تترك بابك مفتوحاً وتتسلل لتراقب الحَسناوات؟" تريث جمر والتفت بحدة، وعيناه تومضان بقسوة. وانبعثت رائحة الحريق من جسده وهو يزأر: "ما الذي جاء بك إلى أرضنا؟" رد الجن المتكبر بثقة: "جئت بدعوة من الأمير الصغير... وأنت؟ أراك نسيت نفسك بين عطور النساء؟" قال جمر بصرامة: "الزم حدودك. هذه أرضنا، ونحن من يضع القوانين هنا." ضحك الأمير المتنكر بسخرية باردة وقال: "يبدو عليك الخرف، يا عجوز البوابة." ثم صوب يده وأطلق شرارة نارية كالسهم صوب جمر. صدها جمر بسهولة فتلاشت قبل ان تصله وتحولت الى رماد متناثر أصدر جمر صوتًا أشبه بغليان بركان، ثم تمتم بكلمات مبهمة، ونفث نارًا من فاهه. فبُترت يدا الأمير وسقطتا على الأرض كجمرتين منطفئتين، قبل أن يفرّ هاربًا محلّقًا إلى الأعلى صرخ الأمير الغريب بسخط: "لن يبقى منك سوى رماد تتقاذفه الرياح... لقد وقّعتَ حكم فنائك يا جمر!" واختفى في الأفق. أزاحت بدر رأسها من بين أصابعها بخوف متردد. "بترت يديه؟! هل أنت مجنون؟ ستجلب المشاكل لأرضكم!" قال جمر بثقة: "هذا الأمير غير مرحب به. تنكر وأتى بدعوة كاذبة من الأمير الصغير، لو علم الحاكم الأكبر، لفعل به أسوأ مما فعلت." سألته بدهشة: "ولِمَ بترت يديه؟ هل أنت بهذه القسوة؟" ضحك بوحشية، ضحكة عميقة تتردد في الأرجاء تملأ المكان برعب غير مرئي، وقال: "أنا أكثر قسوة مما تظنين، يا فتاة الطين. شتان بين قوى الجن والبشر، لكنني أعلم ما يستطيع فعله، ولو اندلع شجار حقيقي، قد يراكِ ويقتلك... وأنا أريد أن أوصلك بأمان إلى الحاكم. فنحن نصون الأمانة حتى مع الدخلاء..." همست بدر: "لا تبدو طيبًا... أنت عنيف." رد وهو يسير بها نحو الممر: "أنا كذلك. لكن لا تقلقي... يداه تتجددان." بدر:"هل تتجدد الأيادي عندكم؟!" ابتسم وقال: "عند البعض، نعم." وهو يكمل المسير. يتبع... رانيا لمايسي