بوابة من العدم/سِفار مملكة الرمال
أما شاه رام، فقد جلس يحاول تهدئة نفسه، ليعود إلى هيئته المعتادة التي تشبه هيئة البشر وكان جماله الخلّاب يثير العجب، حتى إن العين تضيع فيه اتكأ على الحائط، ثم انزلق جالسًا على الأرض، وبعض خدوش الحطام قد جرحت ساقيه ويديه، وكانتا تنزفان ببطء.
وبينما هو غارق في همومه، نسي أن رغبته الجامحة قد تؤذي محبوبته...
ظلّ يحدّق في بلورته، تائهًا في صور ضبابية لوجه بدر وهي تتمشى، ثم وضع يده على صدره وضغط عليها بشدة، كأنه يريد أن ينتزع قلبه من مكانه
همس بصوت منخفض، متحدثا الى ذاته:
أردتُها لي ... هي فقط
ثم غرز أظافره الشبيهة بالمخالب في مكان قلبه، فتمزّق ثوبه، وبدأ الجرح ينزف، وسالت الدماء على قميصه الأبيض دون أن يشعر.
بقي شاردًا، غارقًا في رغبته المحمومة
وصرخ فجأة، ضاربًا البلورة على زجاج الشرفة:
"أريدها لي... إلى الأبد! هذا كل ما أريد.
اشتعلت ألسنة من اللهب في عينيه، وكانت النيران تتقاتل داخل حدقتيه الواسعتين كأنها بركان ثائر لايعرف السكون
وفي ذلك الحين، دوّى صوت عتيق في أعماق المملكة:
"جرسُ الأجداد"
لم يُقرَع منذ قرون، إذ لا يُسمَع صداه إلا عند اقتراب كارثة عظمى
أو عند اشتعال قوى جنّيٍّ من السلالة الأولى، ممن خُتمت قدراتهم بأختام النار
ارتجّت جدران القصر، وتبادل الحُراس نظرات فزع،
فالجرس لا يخطئ...
وها هو يعلن أن شيئًا أكبر من الجنون سيحْدث...
في الوقت ذاته، كانت بدر تمشي وسط الكثبان الرملية، حين بدأت الرياح تعصف بها كأمواجٍ هادرة، تجرفها نحو بوابة ضخمة ظهرت فجأة من العدم. حاولت المقاومة والعودة، لكن قوة الجذب كانت أعظم، فسقطت عن حصانها "أجاويد".
حاول الحصان إنقاذها، لكنه عجز عن الاقتراب من حدود البوابة، وواصل صهيله الحزين، لكن دون جدوى
وكان آخر ما قالته:
"اذهب يا بطلي... دلّهم على مكاني
في تلك اللحظة، شعرت بدر ببرودة غريبة تسري في جسدها، وكأن هالة مظلمة تشير إلى أنها على مشارف الدخول إلى عالم آخر لم تكن تدري... هل هو الموت، او الاسوء منه.
فُتحت البوابة الضخمة على مصرعيها مزخرفة بنقوشٍ قديمة تتلألأ تحت ضوء القمر. وما إن دخلت، حتى أُغلقت خلفها، لتجد نفسها في مواجهة "جمر"، أقوى حراس مماليك الجن، والذي بلغ من العمر أربعمئة سنة.
كان جمر طويلًا، بعيونٍ تتوهج وأظافر حادّة كالمخالب. أمسك بها، و قبضته القوية تلفح جلدها، بينما كان يتلفّت إليها بعينين حادتين وقال بصوت عميق ومخيف:
"من أنتِ؟ وما الذي أتى بكِ إلى هنا؟"
شعرت بدر بالخوف، لكنها قررت مواجهة الموقف بشجاعة. نظرت في عينيه وقالت بصوت ثابت:
"أنا بدر... ولا أعلم ما الذي أتى بي إلى هنا. لقد رأيتك أولًا عند البوابة، فاخبرني أنت، لماذا أحضرتني؟"
ثم ضربت بيدها الصغيرة قبضته الكبيرة، وسرعان ما صرخت:
"يدك أسوأ من قِدرٍ فخاري يحترق!"
وبدأت تمسح يدها بعباءتها، في محاولة لتخفيف حرارة الألم.
تفاجأ جمر بشجاعتها، لكنه لم يُرخِ قبضته، وقال بصوت غاضب:
لماذا جئتِ إلى هنا، يا فتاة الطين؟ وجودك هنا بحد ذاته خرق لقوانيننا. لكن أحد أمراء الجن هو من أدخلك، وقد وسمك بوسامه، وهذا يعني انه يتعين عليّ كخادم للمملكة أن آخذك إلى الحاكم الأكبر. وحده من يقرر مصيرك."
قالت بدر بدهشة يخالطها الخوف:
وسام؟! ما الذي تقوله؟
قال جمر بحدة:
"اصمتي! لا تثرثري. سنمشي وأذكركِ مجددا أنتِ في أرض الجن، وأي حركة خاطئة قد تعني نهايتك. اهدئي، وابقِ ساكنة.
ثم سارا معًا...
جمر يخطو فوق حجارة سوداء تُصدر طنينًا خافتًا كلما لامستها قدماه، وبدر مختبئة تحت عباءته الغليظة، لا يظهر منها سوى عينيها المتسعتين، تتلصص بها على عالم لم تتخيله حتى في الأحلام.
يتبع.....
تحياتي رانيا لمايسي