رِواية سِفار مملكة الرمال - الوادع الاخير/سِفار مملكة الرمال - بقلم رانيا لمايسي | روايتك

اسم الرواية: رِواية سِفار مملكة الرمال
المؤلف / الكاتب: رانيا لمايسي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الوادع الاخير/سِفار مملكة الرمال

الوادع الاخير/سِفار مملكة الرمال

صلّت بدر برفقة والدها، ثم توجه إلى النوم. وخلال نومه، كانت بدر قد جهّزت له كل ما يحتاجه في رحلته. وعند استيقاظه، أعدّت له القهوة، وجلست بجانبه تتبادل أطراف الحديث معه. قالت له: أبي، انتبه على نفسك. فأجابها مبتسمًا: أنا فخور لأن لديّ ابنة مثلكِ، يا بدر البدور. عانقته وقالت: سأشتاق إليك... فردّ عليها وهو ينظر في عينيها: وأنا أيضًا، يا بنيتي... أشتاق إليكِ حتى وأنتِ بقربي، فكيف لا أفتقدكِ وأنتِ لستِ بجانبي؟ لكن لا تقلقي، سأعود غدًا في المساء. ستكون رحلتي قصيرة، ولولا أن صديقي غالٍ على قلبي، لما ذهبت وتركتكِ بمفردك. ابتسمت بدر وقالت: حسنًا يا أبي، سأنتظرك إلى أن تعود، وسأحضّر لك الكعك الذي تحب. هزّ الأب رأسه رضىً، ثم قال: الآن يجب أن أنطلق كي أصل في الوقت المناسب. أخذ أغراضه، وذهب إلى الحظيرة ليُحضِر خيله، وبدر تتمشى بجانبه لتودّعه وتقدّم له النصائح. كانت تخشى  كثيرا أن تفقده كما فقدت أمها. فابتسم وقال لها: دمتِ لي كنزًا يا صغيرتي... لكن لا تتجوّلي مع أجاويد في الليل، ولا تفتحي الباب إلا إن سمعتِ صوت رباع أو زوجة عمّك. ولا تخرجي بالمواشي للرعي في غيابي، فقط اسقيهم وأطعميهم. ثم أضاف: خسرتُ أمك، ولم يتبقَّ لي إلاكِ تؤانسينني في هذه الحياة... فلا أريد أن يصيبكِ مكروه لا قدّر الله، فلن أسامح نفسي ما حييت. قالت بدر: لا تقلق، يا أبي... سأكون حريصة على كل ما أمرتني به. عانقها، فقبّلت يده، ودعت له  أن يسهّل الله طريقه وبقيت تراقبه الى ان اختفى عن انظارها.  وانطلق العربي في  رحلته ولم يكن يعلم أن هذا السفر سيغيّر حياته رأسًا على عقب ذهبت بدر إلى الحظيرة  وهي تمسح دموعها بوشاحها  وبدأت تهتم بالحيوانات، ثم عادت إلى المنزل لتحضير العشاء. وبينما هي في المطبخ، سمعت صوت طرقٍ على الباب. قالت: من الطارق   فجاءها صوت من الخارج أنا أم رباع، أحضرت لكِ العشاء، وجئت أطمئن عليكِ. فتحت بدر الباب، ورحّبت بها شاكرة، ثم دعتها إلى الدخول. قالت زوجة عمّها: اراك  تباشرين بتجهيز العشاء، لكن عذرا اليوم أسبقك. والدك أوصانا بكِ، ورباع لم يهدأ له بال، قال لي: "أمي، لابد ان بدر تعبت كثيرًا مع المواشي... دعيني آخذ لها العشاء أو ندعوها لتتعشّى معنا." ابتسمت بدر بخجل، وقالت: أشكريه بدلًا عني... ثم شردت بأفكارها، وبينها وبين نفسها قالت: هل شُفي من معاناته... أم أن حالته المرضية لا تأتيه إلا عندما يكون بجانبي   قالت زوجة عمها بابتسامة خفيفة:" أعلم أنه يتحجّج ليأتي لرؤيتك، ولكن بما أن والدك ليس هنا، فضّلت أن آتي بنفسي لأطمئنّ عليكِ." شعرت بدر بخجلٍ شديد، وأرادت أن تغيّر الموضوع، فقالت: انه يحب إزعاجي يازوجة عمي قالت زوجة عمها  مبتسمة  وهي تجس نبضها انه لا يزعج احدا غيرك   ورباع لا يزعج الا من يحبهم انه ابني وانا اكثر من يعرف طباعه زاد خجلها أكثر، واحمرّت وجنتاها كزهرتين نديّتين، ثم قالت محاولةً إخفاء ارتباكها: "أنتِ أحضرتِ العشاء، وأنا الآن سأعدّ الشاي." فردت زوجة عمها بلطف: "أنتِ أصيلة دائمًا يا عزيزتي، سلِمت يداكِ."   ذهبت بدر لإعداد الشاي، بينما كانت تحاول أن تستوعب ما لمحَت إليه زوجة عمها. قالت في نفسها: "من المستحيل أن يحبّني رباع... هل زوجة عمي  تلمّح لي بذلك؟ مستحيل..." كانت يداها ترتجفان، وأساورها تصدر صوتًا خفيفًا كلما حرّكت يديها. دقات قلبها تتسارع، وتحاول أن تتنفس بعمق حتى لا تُظهر لزوجة عمها ارتباكها. جهّزت الشاي مع الفول السوداني المحمّص على الجمر، ثم أخذت الصينية وتوجهت بها إلى المجلس، قائلة: "آمل أنني لم أتأخر عليكِ." ابتسمت زوجة عمها وقالت: "كلا، شكرًا لكِ على حسن ضيافتك."  ردّت بدر: "ألف عافية يا زوجة عمي." بدأتا تشربان الشاي وتتبادلان أطراف الحديث عن طفولة بدر ورباع ومشاكساتهما. وفجأة، سُمع صوت طرقٍ خفيف على الباب. قالت زوجة عمها وهي تنهض: "لابد أنه رباع، أتى ليأخذني. سأذهب لفتح الباب." ·سارت نحو الباب قائلة: "من الطارق؟ هل هذا أنت يا ولدي؟" ثم فتحت الباب… ولم تجد أحدًا. استغربت، ثم نظرت حولها لحقت بها بدر وسألتها: "أهذا رباع؟" ·فردّت زوجة عمها وقد بدت حائرة: لابد أن الرياح أسقطت شيئًا بالجوار." همست بدر وقد بدا عليها التوجّس: "لكن الرياح خفيفة... إنه أمر غريب قالت زوجة عمها: ما رأيك أن تأتي لتبيتي معي؟ فأجابت بدر: أرغب بذلك، لكن لا يمكنني ترك المنزل والحظيرة. ابتسمت زوجة عمها بلطف وقالت: إذن، انتبهي على نفسك، وإذا سمعتِ طرقًا على الباب دون صوتي أو صوت رباع، فلا تفتحيه. قالت بدر بابتسامة خافتة: حاضر يا زوجة عمي. ثم ودعتها وأغلقت الباب. توجهت إلى المطبخ، وأعدّت فنجانًا من القهوة، ثم عادت إلى غرفتها، وجلست أمام الشباك تفكر في كلام زوجة عمها.   كانت بدر تبدو كلوحة بلورية من وحي الإبداع والجمال تجلس وحيدة، محاطة بجدران مزينة بنقوش تقليدية تعكس تراثها العريق. الشباك مفتوح، يسمح لنسيم الليل البارد بالدخول، محمّلًا برائحة الصحراء. السماء مرصعة بالنجوم كأنها لآلئ متناثرة على بساط أسود مخملي. كانت ترتدي منامة بيضاء ناعمة تعكس ضوء القمر الخافت، وتضفي عليها هالة من الصفاء. شعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها، ويتمايل مع كل نسمة هواء. أمامها فنجان قهوة تقليدي، ينبعث منه بخار دافئ، وورقة بيضاء تنتظر أن تُملأ. في يدها اليمنى، تمسك بريشتها، تغمسها في محبرة صغيرة، وتبدأ بكتابة أبيات من الشعر، تبوح فيها بما تشعر. الصمت يلف المكان، لا يُسمع سوى صوت الرياح الخفيفة وأصوات الليل البعيدة. كانت هذه اللحظة ملاذها… حيث تجد السلام، والإلهام   وفي تلك اللحظة، شعرت بدر أن قلبها ينبض بطريقة استثنائية، فوضعت يدها على صدرها، واستعدّت للكتابة. لا بدّ أنها في تلك اللحظة أدركت مشاعرها وما الذي تريد أن تعبّر عنه. لكن فجأة، هبّت رياح قوية بعثرت الأوراق خارج النافذة. حاولت بدر أن تمسك بها، لكنها لم تستطع. وبدأت تشعر بسائلٍ بارد يتسرّب أمام قدميها. نظرت إلى الأرض، فوجدت المحبرة قد انسكبت. اندهشت، لكنها لم تكترث، أغلقت الشباك  وأحضرت منشفة وبدأت في تنظيف بقع الحبر. وأثناء التنظيف، لمحت على الارض بنفس ذالك الحبر كتابة بلغة اشبه بالعربية لكن غير مفهومة ، وعليها اسمها. كانت اللغة فارسية والكلام المكتوب أنت لي يابدر  لكن بدر لم تفهم ما رأته عيناها   الا إسمها            تجمّدت بدر في مكانها، وقالت بدهشة: هل أنا أحلم؟ أعادت النظر لتتأكّد مما رأت، لكنها لم تجد شيئًا. اختفى كل أثر الحبر، وكأن شيئًا لم يكن. شعرت بالغرابة، فهرعت لتبديل ملابسها. ارتدت عباءتها، ولفّت رأسها بوشاح يحميها وخرجت كي تستنشق بعض الهواء. أغلقت باب منزلها، وامتطت أجاويد  وبدأت تسير وسط الكثبان الرملية، تحاول أن تحلّل ما حدث فيما فكّرت في الذهاب إلى بيت عمّها، لكنها ما إن تذكرت أنها قد تقابل رباع، حتى غيّرت رأيها. تحادث   اجاويد  قائلة:                                    ياعزيزي، ما رأيك أن نقوم بجولة ليلية؟                                             وانطلقت تسير معه في وسط الصحراء. كانت عيناها تتّسعان دهشةً وذعرًا مما حدث، والكثير من الأحاسيس المختلطة تتراقص داخلها. الصحراء تمتد أمامها بلا نهاية، والرمال تتلألأ تحت ضوء القمر. النجوم تملأ السماء وتضيء دربها. شعرت بدر بمزيج من الفضول والخوف، لكنها واصلت السير. كان صوت حوافر الحصان يكسر صمت الليل، ومع كل خطوة تخطوها، تشعر أنها تقترب من الحقيقة. الرياح تحمل معها أصواتًا غامضة، وكأن الصحراء تهمس لها بأسرارها القديمة. بدر، شاردة ضائعة في أفكارها، قالت: هل أنا أتوهّم؟ بدأت تربط الأحداث ببعضها: طرق الباب الغامض، الحبر الذي  كتب كلاما مع  اسمها ثم اختفى. قالت لنفسها: أهو من صنيع الجن؟ أم صرت اتوهم ثم تذكّرت حديثها مع ابن عمها رباع، حين سألها: من تنتظرين؟ تذكّرت إجاباتها المازحة، لكنها الآن بدأت تُدرك أن بعض ما قالته قد يكون حقيقة. في تلك اللحظة، كان هناك من يُنصت إلى أفكار بدر... وقد أعجبته كثيرًا، لأنه شعر أنها تقصده. إنه شاه رام ولي عهد مملكة الجن، الذي تقع مملكته  في أعماق بلاد فارس، مملكة ناراك ارض الجن الطيارين كان يراقبها منذ نعومة أظفارها رأى فيها شيئًا لم يره في أي مخلوق من قبل. ومنذ أن التقاها لأول مرة وهي طفلة تركض في كهوف طاسيلي، وقد وقعت في قلبه كسهم لا يُرد. كانت حينها تحاول أن تُقلّد الرسومات البدائية على الصخور، ترسمها بالصلصال على الرمال، وتحدّق في الحجارة بدهشة بريئة. وبينما كانت تركض بين الصخور، زلّت قدمها، فأمسك بها شاه رام قبل أن تسقط، وهو في هيئة لا تراها فيها. ومنذ تلك اللحظة، تعهّد في داخله أن يحميها، وأن يكون ظلًّا خفيًا يرافقها طوال حياتها. لكنّ قوانين مملكته كانت صارمة: لا اقتراب من البشر ومع أنه كان أقوى جنّيٍّ في سلالته، لم يكن قادرًا على كسر هذا العهد دون أن يعرّضها للخطر. راقبها تكبر، وكان فرحُها يضيء عتمته، وحزنُها يُثقله كهمسات نارٍ لا تحرق جسده، لكنها تُشعل روحه وكل من آذاها، ناله ردٌّ لا يُنسى، دون أن يدري السبب. حتى أتى اليوم الذي علم فيه أن قلب بدر بدأ يخفق لغيره. لم يتحمّل الفكرة. جلس على عرش غرفته، واضعًا يده على صدره، هامسًا: "أنا من نار، ومع ذلك... أحرقتني يا ابنة آدم." تأمل بلورته السحرية، التي كان يرى من خلالها تحركاتها شاهدها تتجول على فرسها "أجاويد"، شاردة، تائهة. شعر بالغيرة تمزق من أعماقه، وفقد السيطرة على أعصابه. كتب اسمها بالحبر  فوق أرض غرفتها، لكنه حين رآها ترتعب وتُغلق النافذة، ندم. لقد أخافها، وهو الذي أقسم أن يكون حاميها لا مرعبها. بدأ يحطم كل ما حوله، وصوت التحطيم دوّى في أنحاء جناحه. الكل في المملكة التزم الصمت. الكل يعرف قوة شاه رام... الذي تكفي رغبته فقط لبعثرة مَن يغضبه إلى أشلاء. ورغم هذا، كان حكيمًا، موزون التصرفات، تهابه ممالك الجن من حوله، وتستشيره في شؤونها. لكنّ الحب... يُشعل النار في الحكماء. بعد ساعات من الغضب، أرسلت والدته، الملكة "مهرين"، صديقه الأوفى ومسؤول جناحه: آرْدَشير، الجني الطائر، صاحب الجناحين والعينين الفاتنتين، الذي له قدرة على التلاعب بالعقل، وفتنته لا يُقاومها أحد. دخل أردشير بهدوء، وقال: "أنا يا شاه،أردشير... جئت لنتبادل الهموم، لا كرسول، بل كصديق." ردّ شاه رام بصوت أجش: "ادخل." دخل آردشير، ونظر إلى الفوضى: "أتريد أن أنادي جنيات التنظيف؟" "كلا... دع الحطام يتحدث عن ما في داخلي. هات ما لديك." ابتسم آردشير: "أنا؟ بل أتيت لأسمعك." ضحك شاه رام بمرارة: "أنت بارع في الإغواء، لكنني لست من يقعون في فخك." ثم صمت قليلاً، وقال: "بدر أحبت بشريًا مثلها." حدّق أردشير فيه، وقال: "وما الغريب؟ كنت تعرف أن ذلك سيحدث يومًا." تنهد شاه رام: "معرفتي بالموت لا تُشبه مواجهته. الشعور الذي يعصف بي الآن... أقسى من الموت نفسه." اقترب آردشير، وهمس: "أتريد أن أقتل ذلك البشري؟" رفع شاه رام نظره إليه، وعيناه تقدحان نارًا صامتة...     "وهل في نظرك أن هذا الشيء صعب علي" رد آردشير: "كلا، لكنني أريد مساعدتك.    شاه رام :لاأستطيع أن أؤذي أحدًا من عائلتها. يكفيها ألم أنها نشأت بدون أم." وأضاف قائلا  اريد ان اقابلها وجها لوجه اريد ان تحبني كما احببتها دوما ثم زمجر بصرخة مرعبة تعكس المه قد هز صداها كل ارجاء القلعة أردشير" قائلا بقلق       "وماذا عن قوانين المملكة سموك؟ أنتَ منعت نفسك عن هذه الفتاة منذ وقت طويل  لاجل قوانين وأعراف مملكتك    رد شاه رام بغضب: "تبا للمملكة وقوانينها."بعد ان ضرب قبضته على الجدار وقسمه الى نصفين قال :"صاحب الجناح"  "أخشى أن ينتزع منك الملك حق الوراثة إذا علموا بما تفكر فيه." نظر الى أردشير  وهو يبتسم ابتسامة مشوبة بالحزن ثم قال:"لا أخشى شيئًا، إلا خسارة بدري" أردشير :"ماذا أخبر والدتك ووالدك الذين يطلبون تفسيرًا عن حالك؟" قال شاه  رام بثقة، وهو يرفع رأسه: قل لهم: يخبركم إذا أردتم أن تعرفوا شيئًا، فاسألوني أنا مباشرة. قال آردشير بإحترام بعد الانحناء الأمر لسمو الأمير وانصرف  في رمشة عين. يتبع..... ---------------------☆ "لاتنسوا ترك ارائكم في خانة التعليقات وتقيمكم للرواية اذا أعجبتكم مع خالص تحياتي . "رانيا لمايسي"♡