صباح الطوراق سِفار مملكة الرمال
صباح الطوارق
وفي صباح جمعةٍ هادئة، استيقظت مع الفجر توضأت وجهّزت عباءة أبيها الزرقاء، ولثامه الذي يخفي وجهه إلا من عينيه زيّ الطوارق المهيب أيقظته للصلاة، ثم أعدّت له القهوة والشاي على الجمر، وضحكت وهي تقول:
"مَحلّنا اليوم لديه شايٌ وقهوة وكعكٌ بالتمر... فماذا يأمرُ السيد الراقي؟"
فضحك ضحكة خافتة من أعماق قلبه وقال:
كل ما تصنعه ايادي ابنتي بدر البدور فهو مليح
ردت بخجل
"أخجلتَ تواضعي يا أبي..."
فرشَت السجادة التي نسجتها بيديها، وقد خَطّت عليها رموز الطوارق الجميلة بأحرف التيفيناغ، ثم
وضعت بدر كل ما أعدته على السفرة المتواضعة، رائحة القهوة المطهوة على الجمر تملأ المكان بسحرها، تمتزج بنسيم الصباح العليل كما لو أنها تعانق الروح وتدفئ القلب. كانت لحظة كأنها توقّف للزمن، حيث تتجلّى فيها جماليات الحياة في أبسط تفاصيلها.
بدأت بدر تصبّ لوالدها الشاي، ثم سكبت لنفسها فنجان القهوة.
قال والدها مبتسمًا:
لقد ذكّرتني بأمّك، منذ عرفتها وهي مدمنة قهوة.
لمعت عيناها، وبان الحزن المخيّم في بؤبؤيها كغيمة صامتة. كانت تحاول أن تتمالك نفسها كي لا تحزن أباها، فأراد الشيخ العربي أن يخفّف عنها.
أتحفينا بشيء من نثركِ، يا صغيرتي. لنجعل هذا الصباح مختلفًا عمّا يعيشه الناس.
ضحكت بخفّة، وقالت وهي تأخذ وضع الاستعداد:
أحـم، هل أنت مستعد يا أبي؟
مستعد بكل جوارحي، يا بنيّتي.
فقالت:
يا أبي...
كلّما نظرتُ إليك، شعرتُ أن العالم بخير،
وأن قلبي، رغم كلّ هذا التيه، ما زال يعرف وجهته.
أبي،
أنتَ ظلّ نخلةٍ في صيفٍ قاسٍ،
وأمانُ خيمةٍ في ليالٍ موحشة.
أنتَ الرجاء حين تضيق الدنيا،
والدفء حين تبرد الأرواح.
في عينيك سكون الصحراء،
وفي صوتك عزف الحياة،
وفي يديك، كلّ الحكايات التي أحببتُها منذ صغري.
أبي...
أنا ابنتك،
قطعة من روحك...
وكلّ ما فيّ ينتمي إليك،
حتى دمعي، حين يهمي، يشبهك.
تأثر الشيخ، ودمعت عيناه. صفق لها، ثم وضع يده على رأسها وربّت عليه بحنان.
هذه ابنتي، بدر البدور... تشرح الصدر بكلامها وتسعد الروح بابتسامتها. ستبقين كنزي الأبدي، أخفيك في أعماقي إلى ما بعد الأبد.
عانقته، وقالت بصوت مبلل بالدموع:
وأنتَ أيضًا يا أبي... ستبقى عزيز روحي إلى ما بعد الموت.
ثم مدت له إصبعها الخنصر وقالت:
هيا، لنُجدّد وعد الخنصر.
ضحك ومدّ إصبعه بدوره، فأتما طقس طفولتها المحبّب. تبسم الشيخ وقال:
ما رأيك أن أُكمل جلستنا بعزفٍ على العود وأغني لكِ أغنيتك المفضلة منذ الصغر؟
هزّت رأسها موافقة، وارتسمت سعادة خفيفة على وجهها. أخذ يعزف ويغني، وهي ترتشف قهوتها كأميرة طوارقيّة تُضيء الصحراء بابتسامتها.
بعد الإفطار، وقف والدها وقال:
أستودعكِ الله، سأذهب للرعي.
ركضت بسرعة وأحضرت سلة صغيرة وضعت فيها اللبن، التمر، والماء. ناولتها له وقالت:
اعتنِ بنفسك، واحذر الأفاعي والعقارب... فأنا ليس لي غيرك في هذه الحياة.
ابتسم لها وقال:
حاضر، يا غاليتي الصغيرة.
ثم خرج يقود الأغنام والإبل نحو المرعى، وظلّت تودّعه حتى اختفى عن عينيها.
جمعت بدر سفرة الإفطار، رتبت البيت الصغير، ثم توجهت إلى الحظيرة فنظّفتها، كي يعود والدها ويجدها نظيفة كما يحب.
بعدها، أخذت حمامًا دافئًا، لبست عباءتها ثم ارتدت وشاحًا فوق رأسها وزيّنت نفسها ببعض الحلي الطوارقي الانيق وأتممت زيها الراقي بخيط الروح على جبينها الذي كان اغلى ارث من والدتها ثم توجهت الى الحظيرة فوجدت خيلها اجاويد ينتظرها بشغف
فابتسمت وقالت له نهارك زين، يا أمير العرب "أجاويد"
أمسكت المشط،و بدأت تمشط شعره وتضفره برفق، ثم ربّتت على رأسه وقالت:
أنتَ الآن أوسم خيلٍ في مملكة العرب، أيها البطل. ما رأيك أن تصطحب صاحبتك لجلب الماء من البئر؟
حرك اجاويد رأسه بهدوء
وهو يطلب المزيد من الحنان ضحكت بدر وقالت:
هيا، لا تتكاسل. سيأتي أبي ولن يجد ماءً في البيت ولا الحظيرة!
واطعمته حبة من الجزر
وقالت هل انت مستعد
اطلق اجاويد صهيلا خفيفا
وكانه يقول نعم
أخرجت خيلها، وامتطته، وانطلقا معًا نحو بئر القرية
نزلت من صهوة الجواد، وبدأت تملأ الماء وهي تغني بهدوء بينها وبين نفسها.
كان رباع، ابن عمها وصديق طفولتها، قد لمحها من بعيد، فوقف يتأملها بصمت، يغوص في ملامحها كأنه يراها لأول مرة. وبين نفسه كان يسبّح الخالق الذي أبدع في خلقها. اقترب بهدوء، ثم تنحنح متعمدًا ليلفت انتباهها.
رفعت رأسها لتتبين صاحب السعال، فإذا به ابن عمها
فقالت: وقد علت وجهها ابتسامة ساخرة أهذا أنتَ يا رباع؟
قال ضاحكًا: نعم، أنا. وهل كنتِ تنتظرين شخصًا آخر عند البئر؟
أجابته بنفس النبرة: نعم.
رفع حاجبيه الكثيفين باستغراب، واشتعلت نيران الغيرة في صدره، لكنه تمالك نفسه وسأل: -ومن تنتظرين؟ هل عمي العربي؟
كان يتمنى أن تكون الإجابة نعم " ليطمئن قلبه، لكنها أجابته: كلا، إنني أنتظر جنيًّا، يأتي ويسحبني من هذا البئر إلى العالم الآخر.
ثم ضحكت ضحكة ساخرة، بينما كان هو يرمق ابتسامتها الجميلة، عاجزًا عن البوح بمشاعره.
قال:محاولًا إخفاء توتره: أما زلتِ غبية كما عهدتكِ؟
فأجابته بسرعة: لو بذلت جهدي كل حياتي كي أكون غبية، فلن أبلغ مستواك.
نظر إليها بنظرة مستفزة، فأردفت: - ألن تقول شيئًا؟
قال باستهزاء: لا يمكنني أن أطيل الحديث مع فتاة مجنونة.
فردّت باستهزاء أكبر: غمرتنا بحكمتك، أيها العاقل!
ضحك من قلبه لأنه شعر أنها قلِقت فعلًا من كلامه، وذاك يسعده، فهو يحب أن يراها حادة الطباع عندما يستفزها.
كانت بدر تسحب آخر دلاء الماء من البئر، تهمّ بالانتهاء. أراد أن يلاطفها قبل أن ترحل، فقال: هل أساعدكِ يا زِيري؟ (زِيري تعني "القمر" بالأمازيغية، وكان يُطلقه عليها منذ صغرها، كنوع من الدلال والخصوصية.
فقالت ببرود: لا شكرًا. أجاويد هو من يساعدني.
ثم خاطبت حصانها بتجاهل متعمّد لرباع: نحن نكفي بعضنا، ولسنا بحاجة إلى الغرباء.
قال رباع بتجهم وهل أصبحتُ الآن غريبًا؟
أجابت بهدوء حازم: - نعم، الآن... وفي هذه اللحظة بالذات، أصبحت كذلك.
حاول كتم ضحكته، لكن ملامحه فضحته، فعرف أنها غاضبة منه.
صعدت بدر على ظهر أجاويد، وأمسكت بلجامه تستعد للعودة، فقال رباع: - انتبهي إلى نفسك... يا زِيري.
كانت بدر دائمًا تأخذ معها عصًا خشبية في تجوالها، عادة ورثتها عن والدها منذ طفولتها حين كانت ترافقه إلى الرعي. وبقيت متمسكة بها حتى الآن، تتصدى بها للأفاعي والعقارب.
رفعت عصاها نحوه وقالت: - ابتعد من طريقي، وإلا سنتخاصم اليوم... وأرمي بك في البئر!
انفجر ضاحكًا، وهي امتطت جوادها وغادرت.
انطلقت بحصانها، ووشاحها يتراقص في الهواء، وخصلات شعرها تتطاير مع الرياح. ولحقها صوته، ينادي مازحًا: إلى اللقاء، أيتها المجنونة!
فأشارت له بيدها، إشارة وداع غاضب، دون أن تلتفت إليه.
وبينما كانت تبتعد، قالت بينها وبين نفسها: لابد أن هذا الرجل وقع على رأسه وهو صغير... واختل توازنه العقلي! مؤسف! والآن يقع على عاتقي، كوني ابنة عمه، أن أساير حالته المرضية... فالقرابة أولى بالمعروف!
وأكملت بدر طريقها وهي تقول:
أجاويد، هل أنت مستعد كي نطير سويًّا؟
ثم أفلتت اللجام، ورفعت يديها إلى الهواء وهي تنادي:
-هيا بنا الآن!
فانطلق الحصان بأقصى سرعته، أما بدر، فأغمضت عينيها تستمتع باللحظة وتقول:
إنني أحلّق حقًا يا عزيزي!
كان صهيل أجاويد، الفريد من نوعه، يتردّد في أرجاء القرية كأنه يعبّر عن سعادته بوثوق صاحبته به.
أما بدر، فكانت تستشعر الرياح بيديها الناعمتين وهي مغمضة العينين، وتضحك من شدة السعادة. استمرّا في رحلتهما حتى وصلا إلى المنزل.
قالت لحصانها وهي تترجّل عنه:
إنك حقًا أميرٌ شجاع، ومن لديه رأي غير هذا... سأرميه في البئر!
أخذت بدر أجاويد إلى الحظيرة وسقته الماء
ثم عادت إلى المنزل لتحضر له بعض الجزر كمكافأة. وضعت الماء أيضًا في الحظيرة للإبل وباقي المواشي، ثم ودّعت حصانها قائلة:
إن احتجت إلى شيء... نادِني ايها الأمير الأبيض
وربّتت على رأسه بلطف.
عادت إلى الدار، فملأت آنيةً فخارية بالماء ليبقى باردًا، ثم توجّهت إلى المطبخ لتحضير طعام الغداء. بدأت بطهو الكسكس الجزائري، فمزجت الكسكس بقليل من الماء والزيت والملح، وكانت تحرّكه بأناملها الماهرة، تتلألأ حبات الكسكس الصغيرة بين يديها كذرات من الذهب الخالص، حتى امتزجت جيدًا مع باقي المكونات.
ثم وضعته في وعاء على البخار فوق قدرٍ يحتوي على مرق اللحم والخضار، ليبدأ بالنضج.
بعدها جهّزت مائدة الغداء، وأضافت اللبن والتمر إلى جانبها. وعندما نضج الكسكس، وضعته في طبق فخاري مزخرف برموز أمازيغية، وسكبت فوقه المرق وقطع اللحم والخضار، ثم حملته إلى المائدة.
وفجأة، سُمِع دقٌّ على الباب.
ركضت بدر مسرعة، فتحت الباب وقالت بفرح:
أبي! حمدًا لله على سلامتك، وبوركت جهودك.
فأجابها والدها مبتسمًا:
وجهودك أنتِ يا عزيزتي.
كان يبدو عليه بعض الإرهاق، فقالت له:
أبي، اذهب لتغسل وجهك وتعالَ لنتغدى معًا.
جلس العربي وابنته لتناول الغداء، وبعده أخبرها أنه مدعو إلى حفل زفاف ابن صديقه في القرية
المجاورة، ويجب أن يذهب. فسألها:
هل تودين المجيء معي؟ لكنني لا أريدك أن تتعبي، فالطريق شاق قليلًا... القرار لكِ.
فقالت بدر:
أبي، أودّ ذلك، لكن لن يرتاح لي بال إذا تركنا الأغنام والإبل.
فقال رباع قريب من المنزل
لا تقلقي بهذا الخصوص، إن أردتِ المجيء.
أجابت بدر باستخفاف وهي تضحك
أنا لا أعتمد عليه يا أبي... أظنه يعاني من مشكلة ما في عقله
ضحك والدها وقال:
كما تشائين يا عزيزتي، تعالي نصلي الظهر، ثم آخذ قيلولة وأستعد بعدها للسفر.
رانيا لمايسي
يتبع .....