العبور الأخير
الفصل الواحد والثلاثون: العبور الأخير
لم نكن نعلم أننا على وشك الوصول إلى النهاية… أو بالأحرى، بداية جديدة لا يعلمها أحد.
الأرض التي وطأناها كانت جافة، متشققة، كأنها لم تعرف المطر منذ قرون. وكان الهدوء المحيط بنا خانقًا، غريبًا… لا طائر يطير، لا هواء يتحرّك، حتى أن أنفاسنا بدت كأنها تُبتلع قبل أن تخرج.
سرنا بخطى بطيئة عبر الممر الحجري، الذي بدا وكأنه لا ينتهي، وكل خطوة كأنها تحمل عبئًا من كل الأحداث التي مررنا بها… الأشباح، الصرخات، الظلال المتراقصة، الأصوات التي لا تفسير لها… وكل وجه التقيناه ولم نعد نراه.
ثم… توقفنا.
باب ضخم انفتح أمامنا بهدوء، دون أن نلمسه. صوت احتكاك الحجر بالحجر دوّى في المكان مثل صوت سيف يُسلّ من غمده.
دخلنا.
كانت الغرفة هائلة، دائرية، ذات سقف عالٍ بالكاد يُرى، وفي مركزها شيء غير مألوف… طاولة معدنية طويلة، فوقها جهاز معقّد، أنابيب، أضواء باهتة، وأسلاك تلتفّ كالأفاعي.
وأمامه، وقف شخص.
طويل القامة، بثوب رماديّ ممزق، ووجهه مغطى بقناع معدني براق، بعيون لا تظهر منها أي ملامح… لا حياة… ولا موت.
تقدمت ميسان خطوة.
"من أنت؟" سألت بصوت مرتجف.
ردّ الرجل بصوت عميق أجوف، كأن الريح تتكلم من جوف جبل:
"أنا من انتظر نهايتكما… أنا من يُغلق هذا الباب. أو يفتحه مجددًا."
نظرت إليه بدهشة، لكن قلبي خفق بشيء غريب… كأنه يعلم أن هناك شيئًا قادمًا لا يُمكن الهرب منه.
رفع إصبعه، وأشار إلى الجهاز.
"واحدة منكما يجب أن تدخل. واحدة فقط."
صُعقت. ميسان أمسكت يدي، نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالحزن، ثم ابتسمت…
ابتسامة من يعرف ما سيحدث، لكنه لا يقول.
"رتال… هذه نهايتنا. أو بدايتنا. لكنك أنتِ من سيكمل."
صرخت:
"ميسان!! لا!!"
لكنها أفلتت يدي، وتقدّمت بخطى ثابتة.
لم تتردّد. وكأنها اختارت مصيرها منذ اللحظة التي دخلنا فيها هذا المكان الملعون.
تمدّدت على الجهاز. أطلقت الآلات صوتًا خافتًا، ثم بدأت الأرض تهتز، وبدأت الجدران تتلاشى ببطء، كما لو أن المكان نفسه يُمحى.
ثم…
نور أبيض غمر كل شيء.
أغمضت عينيّ، وصوت ميسان همس في أذني:
"لا تنسي ما رأيناه. لا تخبري أحد. فقط… تذكري. القصة لم تنتهِ."
فتحت عينيّ، فوجدت نفسي في غرفة قديمة… لا شبح، لا صوت، لا ميسان.
فقط ساعة على الجدار… عقاربها لا تتحرك.
وبين يدي… صفحة بيضاء.
نظرت حولي، ثم سمعت صوتًا ضعيفًا، بعيدًا، كأن الريح تحمله من عالم آخر:
"رتال… الآن دورك......"
يتبع ....