السقوط خلف الحقيقة
الفصل الثلاثون: السقوط خلف الحقيقة
تقدّمتُ نحو الباب المظلم، ويدي لا تزال تمسك يد ميسان بقوة. كانت نظرتها حادة، صامدة، رغم كل ما مررنا به. كأنها قررت ألا تخاف بعد الآن… أو أنها ببساطة فقدت القدرة على الخوف.
كانت عبارة "الذي يدخل… لا يعود كما خرج" محفورة على الخشب بلون أحمر قاتم، وكأن أحدهم كتبها بالدم. ومع ذلك، دفعنا الباب ببطء، فصدر منه صرير طويل، كأنّه آهة مخلوق عجوز يحتضر منذ قرون.
دخلنا…
---
المكان كان خاليًا… تمامًا.
غرفة بيضاء، ناصعة، لا نوافذ فيها، ولا أبواب غير ذلك الذي جئنا منه. الجدران ناعمة، صامتة، لا صوت يعلو فيها سوى نبضاتنا.
وفجأة، انطفأ النور.
صار كل شيء ظلامًا حالكًا، لا يُرى فيه حتى أطراف أصابعنا.
ثم… ضوء صغير، كشمعة تتراقص وسط العدم، ظهر أمامنا.
وفي ضوءها، رأينا شيئًا… أو بالأحرى شخصًا.
كان هناك طفل صغير، في السادسة ربما، يرتدي بيجامة زرقاء، ويحمل دمية محروقة في يده. كان يبتسم لنا، ولكن لم يكن في ابتسامته أي براءة.
قال بصوت بارد:
"رتال… ميسان… لماذا أنتما هنا؟"
لم نُجب.
تابع بصوت أعلى:
"أنتم تُفسدون اللعبة… هذه ليست قصتكما."
ميسان تقدمت خطوة، وسألت:
"ومن تكون أنت؟"
نظر إليها، ثم رمقني بنظرة مباشرة، وقال:
"أنا أول من اختفى… أول من لم يجدوه أبداً… وأنا من كتبت القصة قبلكم."
سقط قلبي.
هذا الطفل لم يكن كأي شبح. لم يكن من أولئك الذين يختبئون في الظلال… بل هو من صنع الظلال.
قال مجددًا وهو يلوّح بدميته:
"تريدين الحقيقة، رتال؟ اقتربي."
نظرتُ إلى ميسان، ثم تقدمتُ، بحذر.
الطفل رفع يده، ولمس جبيني بإصبعه البارد… وفجأة، رأيتُ كل شيء.
رأيت مشاهد متداخلة، كأنّني غصت في ذكريات ليست لي.
منزل قديم… صراخ… أصوات أطفال… باب يُغلق بقوة…
أمهات يبكين… ملفات مفقودة… صور ممزقة…
ثم، صورة لي… أنا، وُضعت بجانب الأطفال الآخرين.
مع ملف أسود كتب عليه بخط كبير:
"الناجية الوحيدة."
صوت في داخلي صرخ:
"لا!!! أنا لم أكن هناك! لم أكن من بينهم!"
لكن الطفل همس في أذني:
"لقد كنتِ… فقط نسيتِ."
سقطت على الأرض، أتنفس بصعوبة، والدموع تغمر وجهي.
ميسان أمسكت بكتفي، وقالت وهي تهزني:
"رتال! لا تستمعي له! هذه لُعبة! هو يحاول كسرنا!"
رفعتُ عينيّ بصعوبة، وقلتُ:
"لكنه يعرف شيئًا… شيئًا دفنته في داخلي."
صرخ الطفل فجأة، وتبدّل وجهه إلى هيئة مشوهة، وارتفع صوته:
"إما أن تتذكري… أو ستبقين هنا للأبد!"
وانشقّت الأرض تحتنا… وسقطنا.
---
استيقظنا في مكان مختلف، ممر طويل من الحجارة، تغمره مياه ضحلة، وصوت أنين متكرر يملأ الأجواء.
في نهاية الممر، رأينا بابًا من الحديد، مغلقًا بقفل غريب، محفور عليه رمزان: عين مغلقة… وقلب مكسور.
نظرتُ إلى ميسان وقلتُ:
"كلما اقتربنا… صارت القصة تخصنا أكثر."
قالت بهدوء:
"لن يكون هناك رجوع بعد الآن."
ابتسمتُ وسط كل الرعب، وهمست:
"لم أعد أريد الرجوع."