الاصوات التي لا تنسى
الفصل السابع والعشرون: الصوت الذي لا ينسى
الممر كان يضيق كلما تقدمنا.
صوت خطواتنا على الأرض الحجرية كان يتردد كأن المكان يبتلع كل صوت… ويعيده مشوّهًا.
لكنّ هناك صوتًا آخر… كان يسبقنا.
أنينٌ منخفض، يتقطع كالبكاء، لكنه لا يشبه بكاء البشر.
شيء ما في نهايته يجعل الجلد يقشعر، كأن هناك من يتألم منذ قرون، ولم يسمعه أحد.
تقدّمت أنا وميسان ببطء، حتى وصلنا إلى نهاية الممر.
المرآة…
كانت أكبر من كل ما رأيناه من قبل، تأخذ الجدار بأكمله.
لكنها لم تكن تعكسنا، بل تعكس ذكرى.
فيها، رأيت نفسي طفلة.
أقف أمام باب بيتنا، أصرخ:
"أمي! افتحي! أرجوكِ!"
لكن لا أحد يجيب.
ميسان أمسكت بذراعي بقوة.
"رتال، لا تنظري… هذا ليس حقيقيًا."
لكنني كنت أرتجف.
تلك الذكرى… ليست كاذبة. أنا أتذكرها.
ذاك اليوم الذي أغلق فيه الباب في وجهي، و… تغيّر كل شيء.
وفجأة، تحوّلت المرآة إلى دخان أسود… ومنه خرج هو.
الشخص الذي رأيناه يراقبنا، واقفًا الآن أمامنا.
كان شابًا في منتصف العشرينات، وجهه شاحب، وعيناه زجاجيتان.
يرتدي سترة طويلة، ممزقة من الأسفل، ويده اليمنى مغطاة بالكامل بضمادات سوداء.
تقدم خطوة… وقال بصوت هادئ:
"أخيرًا وصلتِ، رتال."
ميسان صرخت:
"من أنت؟! وكيف تعرف اسمها؟!"
نظر إليها بنظرة باردة ثم أعاد عينيه إليّ.
"أنا… أول من خرج من المرايا. كنتُ مثلكِ، باحثًا عن الحقيقة. لكنني علقت هنا… منذ زمن بعيد."
ابتعدت خطوة، لكن شيئًا ما في داخلي لم يرد الهروب.
"ما الذي تريده مني؟" همست.
اقترب حتى صار بيننا وبينه خطوتان فقط.
ثم رفع يده الملفوفة… وكشف عن راحة يده.
كانت محفورة بعلامات غريبة… دوائر، رموز، وعيون صغيرة تفتح وتغلق ببطء.
"لأنكِ أنتِ الوحيدة التي يمكنها أن تنهي هذا."
ميسان همست:
"رتال، لا تثقي به…"
لكني نظرت في عينيه…
ورأيت فيها ألمًا يشبه ألمي، صدى لسنوات لم يفهمها أحد.
قال أخيرًا:
"المرآة الرابعة… في الداخل. لكن احذري… ليس كل من يدخل، يخرج."
وأشار إلى باب خشبي خلفه، لم نره من قبل.
---
دخلنا.
كانت الغرفة مظلمة بالكامل، لكن في منتصفها… كرسي.
وعليه… جلس شخصٌ يشبهني تمامًا.
ولكنّه كان يبتسم ابتسامة شريرة، وعيناه حمراوان بالكامل.
رفع رأسه، وقال بصوتي:
"أنا أنتِ… لو اخترتِ الهروب منذ البداية."
وهنا…
بدأت الأرض بالاهتزاز، وأُغلِق الباب من خلفنا بصوت مروع.
صرخت ميسان:
"لقد علِقنا!"
لكنني كنت أعرف…
هذه ليست النهاية، بل الاختبار الأخير.