صرخة الأرواح المدفونة - الخطوة التالية - بقلم SISOU | روايتك

اسم الرواية: صرخة الأرواح المدفونة
المؤلف / الكاتب: SISOU
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الخطوة التالية

الخطوة التالية

الفصل الخامس والعشرون: الخطوة التالية فتحت عينيّ. لا ضوء، لا دفء، لا صوت سوى أنفاسي المتقطّعة. جسدي ممدد على أرض باردة، لم تكن ترابًا ولا حجرًا، بل شيئًا أشبه بالجلد اليابس... الجلد الحيّ. تحسّست الأرض من تحتي وأنا أرتجف، ثم جلست ببطء. المكان حولي كان كهفًا شاسعًا مظلمًا، تتدلّى من سقفه جذوع سوداء ملتوية، وكأنها أذرع ميّتة تتدلّى من السماء. رفعت بصري إلى الأمام، فلم أرَ شيئًا في البداية... حتى اشتعلت نار فجأة في إحدى الزوايا، دون مصدر، دون شرارة. عندها فقط رأيت الجدار. أمام الجدار، مرآة واحدة. كبيرة. قديمة. مغطاة بطبقة من الغبار الأسود. ولكن رغم ذلك... كنت أرى فيها نفسي. أو من كنت أظن أنها نفسي. اقتربتُ. ببطء، وكأن شيئًا ما في داخلي يقاوم الاقتراب. كل خطوة كانت تثقل جسدي، كأنني أمشي ضد جاذبية غير مرئية. في الانعكاس... لم تكن رتال التي أعرفها. كانت تلك التي رأيتها سابقًا في حلمي القديم — بعينين سوداويْن، وشعر يتطاير حتى دون ريح، وبشرة باهتة كالموت. كانت تنظر إليّ، لا تبتسم، لا تغضب، فقط تراقب. ثم تكلمت. "أخيرًا وصلتِ، يا رتال... كنتُ أعلم أنكِ ستصلين، لأنكِ أنا." ارتجفت ركبتاي، فتراجعت خطوتين، اصطدمت بجدار لم يكن موجودًا قبل قليل. المرآة لم تختفِ هذه المرة. بل تمددت، وكأنها تنمو وتبتلع الجدار كله، ثم الأرض، ثم السقف، حتى صرت محاصرة داخلها. "لا تهربي." قال الصوت مجددًا، ولكن هذه المرة كان قادمًا من داخلي. صرخت. وخرجت من الظلام يد طويلة، بشعة، مغطاة بندوب وكأنها مزّقت أجسادًا من قبل، أمسكت بي وسحبتني... ووجدت نفسي فجأة واقفة في غرفة. غرفة أعرفها... غرفة طفولتي القديمة. لكنها لم تكن كما أتذكرها. كل شيء فيها مائل، كأن الأرض تميل نحو الهاوية. الدمى على الرفوف كانت تنظر إليّ. إحداها رفعت يدها ولوّحت لي. كنت أسمع همسات خلفي. "أنتِ لستِ هنا... أنتِ هناك." "أنتِ الحلم." "أنتِ الذكرى التي لا يريدها أحد." استدرتُ بسرعة، ورأيت بابًا خشبيًا، عليه رموز محفورة، وأصوات بكاء من ورائه. لم أملك إلا أن أفتحه. لكن ما إن فعلت، حتى وجدت نفسي في قاعة حجرية مظلمة، فيها مرآة مكسورة، وفي وسطها... كانت ميسان. واقفة، تنظر إليّ، وعيناها تلمعان بشيء من الحزن... والخوف. "رتال، لقد تغير كل شيء. نحن لا نعرف من معنا ومن ضدنا. هناك من يلبس الوجوه... من يتظاهر أنه صديق، وهو من صنع الظلال." كنت على وشك أن أسألها، أن أركض إليها، أن أصرخ باسمها، لكن الأرض بيننا انشقت فجأة، وخرج منها ظل ضخم... لا شكل له. كأن الظلال نفسها اجتمعت وشكّلت كيانًا... وجهاً بلا ملامح، ولكنه ينظر. رفع يده، وأشار إليّ. وفجأة... صمتت ميسان. تجمّدت. اختفت. وبقيت وحدي، مجددًا. حتى ظهرت فتاة جديدة. لم أرها من قبل، شعرها أبيض كالثلج، عيناها رماديتان لامعتان. ترتدي ثوبًا أسود، طويلًا يلامس الأرض. قالت بصوت خافت، لكنه اخترق رأسي: "أنا هنا لأنكِ سمحتِ لي بالدخول. لقد تجاوزتِ الحاجز الثالث، رتال... والآن، أنتِ ترين ما لا يجب أن يُرى." سألتها: "من تكونين؟" اقتربت حتى كادت تلمس جبيني، ثم همست: "أنا ظلّكِ المنسي. أنا من خلّفتِه وراءكِ في أول ليلةٍ بكيتِ فيها وحدكِ." ثم انطفأت الأنوار، واختفت الأرض من تحت قدميّ، وسقطتُ في ظلام أعمق من أي ظلام عرفته. وفي عمق ذلك السقوط، كنت أسمع صوتًا واحدًا فقط... "رتاااال... الخطوة التالية، هي الأسوأ."