الممر الذي لا ينتهي
الفصل الثالث والعشرون: الممرّ الذي لا ينتهي
ما إن انكسرت آخر مرآة، حتى اختفى كل شيء من حولي. لم يبقَ أثر للغرفة، ولا للظلال، ولا حتى لصوت لمى. وجدتُ نفسي واقفةً في ممرٍ طويل، جدرانه ملساء مغطاة بمادة سوداء لامعة، تعكس صورتي لكن بطريقة مشوّهة، وكأن كل انعكاس يحمل نسخة مشوهة منّي... نسخة تضحك حين أبكي، وتبكي حين أصرخ.
كان الصمت فيه خانقًا، حتى أن صوت أنفاسي بدا غريبًا على أذني. خطوتُ ببطء، وكل خطوة كانت تصدر صدى كأنني أطرق أبواب مقبرة مهجورة.
في نهاية الممر، كان هناك باب خشبي قديم، غير متناسق مع الجدران المعدنية المحيطة به. اقتربتُ، ويدي ترتجف. وضعتُ يدي على المقبض، فتحته ببطء، وصوت صريره بدا وكأنه صرخة من الماضي.
دخلتُ الغرفة...
وكانت هناك.
ميسان.
لكنها لم تكن واقفة هذه المرة. كانت ممدّدة على الأرض، تغمرها الدماء من كتفها إلى جانبها الأيسر. ركضتُ نحوها، ركعتُ إلى جانبها، وقلتُ بذعر: "ميسان! ميسان، هل تسمعينني؟ ماذا حدث؟"
فتحت عينيها ببطء، نظرت إليّ بشحوب وقالت بصوت متقطع: "ليس... ليس كل ما رأيتِه حقيقيًا. هناك شيء... شيء ينتظركِ في الأعماق. لا تصدقي كل ما ترينه، رتال."
"أين لمى؟" سألتها وأنا أضغط على جرحها في محاولة عبثية لإيقاف النزيف.
هزّت رأسها ببطء وقالت: "لمى... ذهبت. لم تكن وحدها."
قبل أن أفهم ما عنته، اهتزت الغرفة فجأة، وارتفعت الأصوات من جديد... صرخات... ضحكات... بكاء أطفال... وأنين طويل امتد في أذني كأنه طنين لا ينتهي.
التفتُّ لأرى الجدران تتقشر، وتخرج منها أيدٍ سوداء طويلة تمزق الجدران وتنزف سوادًا كثيفًا. أمسكت إحداها بقدمي، حاولت سحبها، لكنّي قاومت، وصوت ميسان صار صراخًا: "اركضي، رتال! لا تسمحي لهم بأخذك! ارركضييي!"
صرختُ وبكل قوتي دفعت جسدي خارج الغرفة، عدتُ إلى الممر الذي صار أكثر ضيقًا، وكأن الجدران تنكمش لأبتلعني.
كنت أركض.
والأصوات ورائي تزداد... كانت تلاحقني. لم تكن مخلوقات... كانت أشباحًا... ذكريات... أرواحًا ضائعة تطلب شيئًا واحدًا: أن أعود معهم.
في نهاية الممر، لم يكن هناك باب. فقط مرآة.
لكن هذه المرآة لم تكن كسابقاتها. كانت تعكس الحقيقة.
رأيت نفسي فيها... لكن خلفي كانت ميسان واقفة، تنظر إليّ من داخلها... تبتسم.
وكانت لمى بجوارها.
لكنني كنت وحدي.
مددت يدي نحو الزجاج... ولمستُه.
وسمعتُ الصوت مجددًا:
"المرآة لا تكذب، رتال... أنتِ التي كذبتِ على نفسكِ طويلاً."