الشاهد الذي نام
في صباحٍ غائم، لم تطلع فيه الشمس،
جلس سفيان على سطح منزله القديم…
ذلك المنزل الذي هرب منه عمرًا،
وعاد إليه مجبرًا كمن يعود إلى ساحة جريمة لم يُبلّغ عنها.
دفتر ريم أمامه،
السطور الأخيرة تعيد نحت جراحه بالملح،
ونوال بدران؟ صارت اسمًا يرنّ في رأسه بلا توقف.
لكنه اليوم اتخذ قرارًا.
قرارًا لا رجعة فيه.
سيعود إلى المدرسة.
مدرسة "المروج" القديمة،
المكان الذي دُفنت فيه أكثر من ذاكرة،
وأُغلقت أبوابه بعد "الحادثة" التي لا أحد يريد تذكّرها.
---
وصل إلى المدرسة عند المغيب،
ووجد البوابة الصدئة مفتوحة قليلاً…
كأن أحدهم سبقه.
دخل…
الهواء مشبع برائحة العفن والغبار والكتب المهجورة.
اللوحات التعليمية لا تزال معلقة،
لكن الوجوه على الجدران… مشوّهة.
كأنها ذابت مع الزمن.
دخل الغرفة رقم 3 — الصف الذي كان فيه هو، ريم، ونوال.
الجدران مرسوم عليها قلوب صغيرة
وبجانب السبورة، كُتبت عبارة باهتة:
> "اللي بشوف وما بيحكي… هو كمان قاتل."
---
في زاوية الغرفة،
كان هناك صندوق خشبي قديم.
نفس الصندوق اللي أُشيع في الماضي أن ريم خبأت فيه "أسرارها".
فتحه سفيان بحذر،
وبداخله وجد ثلاث أشياء:
1. صورة جماعية للصف،
وفيها وجه صغير مش معروف، مأشوب بحبر أحمر.
2. شريط كاسيت صغير، مكتوب عليه:
"اعتراف نوال – ليلة السبت."
3. دفتر قديم جدًا، عليه اسم:
"أمل عارف".
---
الشريط، حين سُمع لاحقًا في مركز الشرطة،
كانت فيه همسات مرتجفة…
صوت نوال، صغيرة، تتكلم:
> "أنا ما حكيت لحدا… بس أنا شفت.
الأستاذ رمزي دخل الصف بعد الحصة،
وطلب من ريم تبقى لحالها.
أنا كنت أراقب من الشباك.
بعدين… صار في صراخ،
وشفت ريم تدفعه، وهو يوقع، ويصرخ.
بس سفيان… سفيان كان هون.
شاف… بس ركض."
الصوت ينقطع…
لكن كانت تلك أول مرة يسمع سفيان فيها اسمه
من قلب الجريمة.
---
حاتم، لما سمع الشريط، سأل سفيان مباشرة:
"أنت شفت شي؟ ليش ما حكيته؟"
سفيان تمتم، وكأن صوته يخرج من بئر:
"كنت طفل… ما فهمت، ما صدّقت…
يمكن نسيت، يمكن قررت أنسى."
حاتم قال بهدوء قاتل:
"لا. أنت اخترت تصير الشاهد اللي نام…
بس القاتل؟
هو اللي صحى أخيرًا."
---
وفي نفس الليلة،
وُجدت جثة جديدة.
أمل عارف.
الفتاة الوحيدة اللي بقيت من المجموعة.
معلقة بسقف شقتها،
وفي يدها دفترها المفتوح.
آخر جملة مكتوبة كانت:
> "كنت أعرف إننا بندفع الثمن…
بس ما توقعت إنه يختارنا واحد واحد."
---
وبجانب الجثة… ورقة.
كتب فيها القاتل:
> "العدالة لا تموت.
فقط تنتظر أن يستيقظ شهودها."
---
نهاية الفصل الخامس.