المرأة التي تعكس الجاني
في الأيام العادية، كان سفيان يمشي بين الوجوه بثقة.
لكن اليوم؟
كل وجه يمرّ به… كأنه يحمل جزءًا من الجريمة.
كل عين تقابله… فيها سرّ.
وكل خطوة يخطوها… تقربه من شيء لا يعرف إن كان يبحث عنه، أو يهرب منه.
مرّ اليومان التاليان كأنهما أسبوعان.
المدينة ما عادت تنام،
وكل شارع أصبح فيه همس عن “القاتل اللي بيكتب رواية من جثث”.
وسفيان؟ صار يُعرف إعلاميًا بلقب "المحقق الملعون"،
الرجل الذي تُطارده الأشباح…
والدماء تتبعه.
لكنه تلقّى بريدًا غريبًا في صباح اليوم الثالث.
لا طابع، لا مرسل.
بس مظروف أسود… بداخله صورة قديمة جدًا،
تعود لأكثر من ١٥ سنة.
في الصورة:
خمسة أطفال يقفون قرب مرآة كبيرة.
سفيان، في الوسط.
وعلى يمينه فتاة بملامح مألوفة…
ريم.
ومن خلفهم…
في انعكاس المرآة،
ظهر وجه سادس.
شخص لم يكن موجودًا في الصورة الحقيقية،
لكن المرآة أظهرته واقفًا خلفهم مباشرة…
وجهه مشوّه، بلا عينين،
ويده مرفوعة كأنه يُمسك برقبة ريم.
"هاي الصورة مستحيل تكون حقيقية…" قالها حاتم، وهو يحدق بها.
لكن سفيان كان يعلم…
هذه الصورة موجودة في ذاكرته.
كان هناك.
وكان يومها، ريم قالت له:
> "هاي المرآة غبية… بتعكس اللي بدك تخبّيه مش اللي بدك تشوفه."
---
توجه سفيان إلى الحي القديم.
البيت اللي التقطوا فيه هاي الصورة هُدم قبل سنوات،
لكن المرآة؟
يقال إنها سُرقت قبل أن يُهدم البيت.
فتّش في كل مكان.
زار أسواق التحف، دخل مستودعات مسروقات الشرطة،
حتى وصل لرجل يُدعى الشيخ بركات،
يُعرف بين الناس بأنه "الحافظ"،
لأنه يحتفظ بكل شيء… وخاصة الأشياء اللي ما لازم تبقى.
جلس معه في قبو مضاء بشمعة.
قال بركات:
"أنت بتدور على المرآة اللي بتشوف فيها وجوه الجثث قبل ما تموت؟
وصلت متأخر…
اللي بدو يقتل، شافها قبلك."
ثم أخرج صندوقًا صغيرًا، بداخله ورقة:
> "المرآة الآن مع الجثة رقم 2.
افتحها… وواجه نفسك.
المرآة لا تكذب، لكنك قد تفعل."
---
البلاغ وصل عند المغيب.
في عمارة مهجورة وسط حي المروج،
وُجدت فتاة مقتولة أمام مرآة كبيرة،
عيناها مفتوحتان،
ويدها اليسرى تُشير إلى الانعكاس خلفها.
وفي انعكاس المرآة؟
سفيان رأى نفسه.
لكن بزيّ قديم، عمره أكثر من عشر سنوات،
يحمل في يده شيئًا كان نسي وجوده تمامًا…
صندوق صغير.
يشبه الصندوق اللي كانت فيه خواتم ريم.
---
سفيان اقترب من الجثة،
ووجد على رقبتها مكتوبًا بأداة حادة:
> "من خان لا يجب أن يُغفر له،
ومن نسى… سيُذكّر."
وأسفل قدميها،
بطاقة صغيرة كتب عليها:
"رقم 2 من 10."
---
هاتان الجثتان، والرسائل، والمرآة…
كلها كانت تقول شيئًا واحدًا:
"القاتل… لا يكتب عنك فقط،
بل يعرفك أكثر مما تعرف نفسك."
---
نهاية الفصل الثالث