الجثة التي لا تريد أن تكشف
كان الصباح يُولد على استحياء،
ضوء باهت يتسلل بخجل من بين الغيوم الثقيلة،
كأن الشمس تخجل من النظر إلى هذه المدينة اليوم.
وسفيان؟
كان لا يزال في مكتبه، جالسًا أمام الجدار الخالي الذي صار يُعلّق عليه الجرائم بدل الصور.
على الطاولة أمامه:
الرسالة.
صورة القلب.
صورة الثلاجة.
وبصمة واحدة… غامضة… لا تظهر في أي سجل من سجلات الشرطة.
"وكأن المجرم مو من هذا البلد… أو مو من هذا الزمن."
قالها وهو ينظر إلى صديقه الوحيد في القسم، حاتم،
المحقق القديم المتقاعد، والوحيد اللي ما زال يؤمن بالحدس أكثر من الأدلة.
حاتم، بشاربه الكثيف وصوته الخشن، قال وهو يرمق الرسالة:
"إما هي حية… أو في حدا عم يعيدك لها غصب عنك.
والاحتمالين أسوأ من بعض."
سفيان لم يرد.
أخرج ملف "ريم الزعبي" القديم، فتح الصفحة الأولى…
الاسم: ريم ناصر الزعبي.
السن: ٢٧.
الحالة: وفاة في حادث حريق – لم يُعثر على الجثة.
"شو إذا الجثة ما ظهرت؟" تمتم.
لكن لم يكن لديه وقت للتفكير أكثر.
رنّ هاتف القسم بصوت حاد، وتبعه صوت الشيف المناوب:
> "عندنا جريمة جديدة… قرب مدرسة الأمل القديمة.
وهالمرة… في جثة."
---
الموقع كان كارثة من نوع آخر.
مدرسة مهجورة منذ عشرين سنة،
معروفة بحكايات الأشباح،
لكن لا أحد كان يتوقع أنه رح يلقى فيها جثة اليوم.
وصل سفيان إلى المكان، ومعه الأدوات المعتادة:
قناع، قفازات، وملف ريم في الحقيبة… ما بتركه أبدًا.
الجثة كانت في الطابق الثاني،
معلّقة من السقف بسلك أسود،
ورأسها مغطى بكيس نايلون شفاف.
عيناها مفتوحتان، كأنها كانت تشاهد موتها لحظة بلحظة.
وعلى الجدار خلفها، مكتوبة بالدم جملة واحدة:
> "لم أكن أحب القراءة… لكني الآن أفهم كل شيء."
تحت الجثة، وُضِع كتاب مفتوح.
الرواية: قلب من زجاج
الصفحة المفتوحة:
فقرة تتحدث عن فتاة تُحرق حيّة بعد خيانة رجل أحبته.
سفيان لم يحتج أكثر من ثانيتين ليدرك أن القاتل…
يعرف "ريم".
بل يعرفه هو.
ويكتب له الرواية بنفسه، صفحة صفحة، دمًا بعد دم.
حاتم قال بصوت خافت:
"في شي مش طبيعي… هاي مو مجرد جريمة… هاي تمثيلية. مسرح دموي."
لكن سفيان لمح شيئًا لم يره أحد.
في حذاء الضحية، وُجدت ورقة صغيرة مطوية بحذر،
وعليها بخطٍ واضح:
> "رقم 1.
من العشرة.
الجثة الجاية… رح تكون أقرب للقلب."
---
سفيان وقف صامتًا.
كأن أحدهم يتحداه،
يعرف تاريخه،
ويكتب له حاضره…
ويخطط لموته بهدوء.
لكن الأسوأ؟
أن قلبه، رغم كل شيء،
كان ينبض بشيء لم يشعر به منذ زمن:
الخوف.
---
نهاية الفصل الثاني