القفل الذي لا يفتح
الساعة تشير إلى 3:51 فجرًا.
ذلك النوع من الساعات الذي لا ينتمي إلى الليل، ولا يعترف بالفجر… مجرد لحظة ضائعة بين وهمين.
المدينة مبلّلة بالصمت. ضوء المصابيح الشاحب يُغرق الأرصفة بشحوب مرضي، والهواء بارد كأن الله قد غضب على هذه المدينة منذ زمن طويل، ولم يرفع يده عنها بعد.
في سيارته المتوقفة أمام عمود إنارة مطفأ، جلس الرقيب سفيان عوّاد، رأسه مستند إلى زجاج النافذة المبلل.
أشعل سيجارته بطريقة آلية، ونفث أول نفس وكأنه يحاول طرد شيء من داخله… شيء ثقيل، قديم، ومتعفن.
مرّت ثلاث سنوات على حريق "شارع النرجس"، الذي ابتلع كل شيء… بمن فيه "ريم".
لا جثة، لا أثر، فقط ملابس محترقة وعطرٌ بقي يلوّث ذاكرته كلما أمطرت السماء.
لكنه لم يكن يعلم أن الليلة ستوقظه… لا ليعيش، بل ليحترق مرة أخرى.
---
"رمز 47، رمز 47، عند المبنى 12 – حي الجناين، بلاغ عن صراخ وانقطاع اتصال مباشر، التوجه فوراً."
كان الصوت قادمًا من جهاز اللاسلكي، مشوّشًا، كأن البلاغ نفسه خائف.
ضغط على دواسة البنزين، وانطلقت السيارة في شوارع ضيقة لا تعرف الشمس.
حي الجناين؟ الحي الذي لا يتغير فيه شيء؟ المكان الذي يموت فيه الناس بهدوء، دون مقاومة… أو أسئلة.
وصل إلى هناك في 7 دقائق.
بالمقاييس العادية، وقت سريع.
بالمقاييس النفسية؟ دهر كامل.
المبنى كان رمادياً كما يتذكره.
لا كهرباء، لا حراس، ولا حتى قطط.
فقط لوحة معدنية مصدّأة مكتوب عليها: "12".
خرج من السيارة، سحب مسدسه القديم، ومصباحه اليدوي.
طرق الباب. لا أحد يرد.
طرق مرة أخرى، ثم ثالثة.
السكون يزداد سماكة، وكأنه جدار يُبنى أمامه.
بضربة قوية، كسر القفل.
دخل الشقة.
كل شيء كان نظيفًا بطريقة مريبة… الأريكة مغطاة بغطاء بلاستيكي، الأرض لامعة كأن أحدهم انتهى لتوّه من تنظيفها بماء مسلوق، والستائر مغلقة بإحكام، كأن الضوء محرّم هنا.
لكن ما لفت انتباهه لم يكن هذا… بل ذلك الصوت الطفيف.
نقطة ماء تسقط من الحنفية… تنتظر ثانية بالضبط… ثم تسقط مجددًا.
اقترب من الطاولة في وسط الغرفة.
كانت هناك رسالة، مطوية بعناية مبالغ بها، ورائحة باهتة لعطر أنثوي معتق… شيء أشبه بذاكرة ميتة.
فتح الرسالة.
> "سفيان…
توقعت أن تتأخر.
هذا ليس تهديدًا، بل تذكير.
هناك عدّاد بدأ العدّ منذ أن نظرت في عينيها آخر مرة، وها نحن الآن نصل لرقمه الأول.
لن يكون هناك جثة… بعد.
لكنك ستفهم، لاحقاً.
فقط تذكّر: لا تثق بأحد، لا حتى بنفسك."
لم يكن هناك توقيع.
فقط حرف واحد في الزاوية:
(R)
ريم؟
قلبه قفز، لكن عقله تراجع.
كان من المستحيل… أليس كذلك؟
توجه إلى المطبخ بخطوات ثقيلة.
فتح الثلاجة…
وفي الداخل، وُجد قلب بشري موضوع على صحن أبيض من الخزف،
وفوقه وردة ذابلة.
---
تراجع سفيان خطوة للخلف.
كل ذاكرته بدأت تهتز.
شمّ رائحة الحريق مجددًا، رائحة احتراقها هي، رائحة الحطب الذي لا ينطفئ بداخله.
أغلق الثلاجة بصوت مكتوم، وكأن القلب كان يراقبه.
لكنه لم يكن وحيدًا.
حين همّ بالخروج، لمح من طرف عينه ظلاً يتحرك خلف الستار.
فتح المصباح اليدوي وسلّط الضوء…
لكن لم يكن هناك شيء.
أو هكذا خُيّل له.
خرج إلى الممر…
وهناك، كانت آثار أقدام مبتلّة على الأرض، وكأن أحدهم خرج للتو.
أثر قدم نسائيّة…
بكعب عالٍ.
هل كانت ريم؟
هل ماتت فعلاً؟
أم أن أحدهم يعيد تمثيل ماضيه؟
صوته في جهاز التسجيل بدأ يُسجّل نفسه وهو يهمس:
> "المسرح الأول…
لا جثة.
لا شهود.
فقط قلب… ورسالة… واسم قديم."
ولأول مرة منذ ثلاث سنوات،
شعر سفيان أن التحقيق الذي سيخوضه…
لن ينجو منه حيًا.
---
نهاية الفصل الأول