شظايا من نار/الفصل الرابع
كانت الليالي في مملكة الغسق تُشبه الأحاجي القديمة؛ باردة، ساكنة، وتخفي بين طيّاتها أسرارًا لا يفكّها سوى من تجرّع المرارة والخذلان. وفي عمق تلك الليلة القاتمة، جلس "اللااسم" – كما بات يُعرف بين رجال المقاومة – قرب نيران خافتة، يتأمل اللهب كأن فيه ظلًّا من ماضيه. خياله يعود إلى الليلة التي طُعن فيها، والبرد الذي اجتاح جسده وهو يُلقى من فوق الجسر الملكي.
لم يكن اسمه مجرد لقب، بل أصبح درعًا يحميه من تاريخه، وسيفًا يطعن به كل من خانوهم ذات يوم.
---
"القائد، لقد عاد جاسوسنا من قصر الغسق"، قالها أحد الرجال بلغة خافتة.
رفع اللااسم رأسه، نظراته كانت كسيفٍ مسلول. "وماذا وجد؟"
"الملكة الأم تستعد لتتويج حفيدها، الأمير الزائف. الحفل سيكون بعد ثلاثة أيام."
"ثلاثة أيام فقط..." همس اللااسم، وقد تجمدت ملامحه.
كان الأمير الزائف ابن عمه، لكنه لم يكن من دم التاج، بل ثمرة خيانة بدأت منذ سنوات، حين خان الأخ أخاه، وطعنت الأم ابنها لتصنع ملكًا من الطين.
---
في الليلة التالية، اجتمع القادة حول خريطة مرسومة على جلد قديم. كانت مداخل القصر، ومخازن الحراس، وأنفاق الهروب كلها مرسومة بدقة.
"سنضرب في الليلة التي تسبق التتويج. إذا فشلنا، فإن التاج لن يعود أبدًا، وسيضيع دم من ماتوا لأجل الحقيقة"، قال اللااسم، ونبرته تمزج بين الثبات والغضب.
"ولكننا أقل عددًا، وسلاحنا أقل جودة، كيف سنصمد؟" قال أحد القادة الصغار.
"لأننا نحمل شيئًا لا يملكه أحدٌ سوانا… الحق."
---
وفي الليلة التي سبقت الهجوم، انسحب اللااسم وحده إلى الغابة الشمالية، حيث تقيم عرّافة تُعرف بـ"ذات العيون المطفأة". لم يكن يثق بالسحر، لكنه علم أن معركة مثل هذه لا تُكسب بالقوة وحدها.
كانت العرّافة تنتظره كما لو كانت ترى الغد بعينيها المُطفأتين.
"جئت تسألني عن المصير؟" همست.
"جئت لأعرف إن كان للحق فرصة…"
"الحق دائمًا له فرصة، ولكن الثمن؟ أحيانًا يكون هو نفسك."
"أنا دفعت نفسي يوم سُلبت مني، والآن أنا لا شيء… لا اسم، لا بيت، لا قلب."
وضعت يدها على صدره. "بل قلبك ينبض أكثر من غيرك، لأنك عدت من الموت لا لتعيش، بل لتُحارب."
---
عندما عاد إلى المخيم، كانت السماء تمطر رمادًا، وكأن الغسق نفسه يبكي.
"استعدوا… الليلة نُسقط التاج الزائف."
ومع الفجر، بدأ الزحف نحو العاصمة، وارتجت الأرض تحت خطاهم. لم يكن جيشًا نظاميًا، بل كان لهيبًا من غضب وشجاعة، من رجال ونساء فقدوا أحبابهم تحت سيوف الطغيان.
اقتحموا أول الحواجز، وسقطت البوابة الحديدية بضربة واحدة من مطرقة النجار العجوز. وداخل الممرات الحجرية، بدأت المعركة الكبرى.
اللااسم كان في المقدمة، سيفه يشق الهواء، وصوته يهدر في الأروقة:
"من أجل مملكة الغسق!"
---
في قاعة العرش، وقف الأمير الزائف مرتجفًا، يختبئ خلف جنوده، بينما اشتعل القصر بنيران الثورة.
دخل اللااسم القاعة بخطوات ثابتة، وعيونه تشتعل بلهبٍ لم يُرَ من قبل.
"أنت… أنت ميت!" صرخ الأمير الزائف.
"كنت كذلك، ثم ولدتُ من جديد… من النهر، من الطعنة، من خيانتكم."
---
وقبل أن يضربه، تقدمت الملكة الأم، ووقفت بينه وبين حفيدها.
"لن أسمح لك بأن تلمسه!" صاحت.
نظر إليها اللااسم طويلاً، ثم قال: "أنتِ من علمتني أن أكون أميرًا… فهل علمتني أيضًا كيف أقتل من أحب؟"
"أنا فعلت ما فعلته لحماية المملكة!"
"لا… لحماية التاج."
وأسقط سيفه. "لن أكون قاتلًا. ولكنهم… سيحكمون عليكِ."
---
وبينما تُسحب الملكة والأمير مكبّلين، جلس اللااسم على العرش، لا كملكٍ، بل كظلٍ للتاج، يرفض أن يلبس التاج حتى تُشفى الجراح.
ولأول مرة منذ سنين… أشرقت الشمس على مملكة الغسق.