بين النار و الرماد/الفصل الثالث
الليالي في مملكة الغسق أصبحت أكثر بردًا، وأكثر صمتًا. الأشجار لا تتحرك، والرياح تهامس الجدران بنذرٍ لا يسمعه إلا من يعرف ما تعنيه الرائحة الحديدية القادمة من القصور: دماء جديدة ستُسفك.
في أطراف المملكة، حيث لا يطرق الجند الأبواب ولا تصل مراسيم البلاط، كان آرين، أو "الظل" كما أصبح يُعرف بين أتباعه، يُحضّر لما لم يسبق أن حدث منذ قيام العرش الحديدي: ثورة لا تقودها طبقة، ولا قبيلة، بل يقودها مجهول بلا وجه… ولا اسم.
---
في مغارة داخل جبال "آزرك"، اجتمع الثلاثة عشر شخصًا الذين التحقوا بالظل. كانوا مزيجًا من الألم والغضب: صائغ فقد أبناءه في مجاعة صُنعت عمدًا، راهب حُرِّق معبده لأنه رفض مدح الملك، فتاة خرجت من أحد بيوت المتعة القديمة بعد أن سمّمت حارسها، وشاب أعرج كان يعمل كاتبًا في ديوان الضرائب قبل أن يُجلد علنًا لأنه صحّح خطأ في أوراق الأمير كراي.
كانوا ينظرون إلى آرين كما لو أنه الخلاص، وهو ينظر إليهم كما لو أنهم السبب الوحيد لعدم موته.
أمسك آرين خنجره، وجرح راحته أمامهم.
"أنا من نسل من خانوه،" قال. "ومن نسل من لن يخون أبدًا."
اقتربت إيرسا، وسكبت دمها فوق دمه، ثم فعل البقية ذات الشيء.
"لسنا قبيلة… نحن عهد،" تمتمت.
وهكذا وُلد "أبناء الرماد"، التنظيم السري الذي أقسم أن يُسقط التاج.
---
في المقابل، كان البلاط الملكي يزداد رعبًا من الشائعات.
"يقولون إن شبح الأمير آرين عاد،" همس أحد الخدم للملكة.
"أشباح لا تُقلقني،" ردّت، وهي تُمرر أصابعها على رقبة صقرها الأسود.
لكن سايلوس، الوزير الأول، لم يكن هادئًا. كان يعلم أن آرين لم يكن شابًا ساذجًا، بل عقلًا مدربًا على الحرب والفن والقيادة. وكل ما يُقال عن ظهور مقنّع غامض يُلهب الفلاحين ويقودهم إلى التمرّد، لم يكن صدى عبثيًا.
"اقتلوا الشائعة قبل أن تُصبح راية،" قال للحرس.
فأُحرقت كتب، وسُجن مغنون، وتفجّرت الأسواق بالدم.
لكنّ النار لا تُخمدها النار… بل تزيدها جنونًا.
---
آرين لم يكن يُقاتل بالسيف… بعد.
كان يُقاتل بالحكاية.
في كل قرية، تُروى قصّة رجل بلا اسم، يُنقذ طفلًا من العسس، يُرسل خبزًا لأرملة، يزرع سكينًا في قلب جابي ضرائب ظالم. كانت تلك القصص كاللهيب تنتقل من فمٍ لفم، حتى بات البعض يخطّ على الجدران: "الظل حي."
وفي إحدى الليالي، تسلل آرين إلى قصر قديم في مقاطعة "فيروث"، حيث خُزِّن جزء من سلاح الحرس الملكي. بمساعدة إيرسا وثورن، اقتحم المكان، وسرقوا ما استطاعوا من سيوف وأقواس وسهام.
لكن الأهم… أنهم سرقوا الخريطة الكبرى لمواقع القلاع.
قال ثورن وهو يقلب الخريطة: "نعرف الآن من أين نبدأ."
رد آرين وهو يُحدّق في نقطة حمراء تمثل قلعة "الغراب الأبيض": "ومن أين ننهي كل شيء."
---
لكنّ الطريق لم يكن مفروشًا بالتراب فقط… بل بالخيانة.
أحد الأتباع، شاب يُدعى مالك، كان قد تم زرعه من قبل سايلوس وسط التنظيم. وقد أرسل رسالة سرية يخبرهم فيها بتحركات الظل.
وفي الليلة التي خطط فيها آرين لمداهمة أول قافلة ملكية، وقع الهجوم المضاد.
اشتعلت النيران في المخيم، وسقط خمسة من أبناء الرماد.
هرب آرين مع إيرسا وثورن وبعض الناجين إلى الغابات، والجرح في صدره لم يكن في جسده… بل في روحه.
"خُنّا من الداخل،" قال وهو يضغط على قبضته.
"سنُصبح أقسى،" ردّت إيرسا. "لكن لا تتوقف الآن…"
آرين رفع رأسه. عيناه لم تعودا تنظران إلى الأرض.
"الملوك لا يولدون فقط من النار… بل من الرماد."