ظل التاج - اسمي... لا احد/الفصل الثاني - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظل التاج
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: اسمي... لا احد/الفصل الثاني

اسمي... لا احد/الفصل الثاني

استفاق آرين على صقيعٍ أشدُّ من الموت ذاته. لم يكن يعلم كم مرّ من الوقت مذ سقط في النهر، لكن جسده كان مُثقلًا، يئنُّ تحت وطأة البرد والماء والطعنة. حاول أن يفتح عينيه، فرأى سماءً رمادية، وشجرًا ملتويًا يعلوه ضبابٌ كثيف، وصخورًا ملساء كأنها طُلِيت بدمٍ قديم. لم يكن في الغسق… بل في مكانٍ آخر. كان مرميًا على ضفةٍ نائية، لا قصر هناك، لا تاج، ولا حتى اسم. جرّ جسده فوق الطين بصعوبة. كل خطوة كانت تعني صراعًا بين الحياة والموت، بين ذاكرته التي تنزف وأمله الذي يتشبث به. الطعنة لم تقتله، لكنها خلّفت أثرًا يشبه الجحيم في قلبه. كان يشعر وكأن النار تشتعل في دمه، لكنها لم تكن نارًا عادية… كانت تشبه ما رآه في رؤياه. ذلك الكائن… ذلك الصوت. "أنت آخر سليل النار،" قال له في الحلم. "لكن التاج لا يُستحق… بل يُنتزع." أمضى الأيام الأولى في كهفٍ صغير على سفح الجبل، يداويه شيخٌ غريب الأطوار يُدعى "أوريد"، له لحية بيضاء حتى صدره، وعيون عميقة تنظر إلى ما وراء الجسد. "أنقذتك المياه،" قال أوريد بصوتٍ متهدّج. "الماء لا يبتلع النور، بل يخفيه حتى يحين الوقت." "أين أنا؟" تمتم آرين وهو يضع يده على صدره. "أنت في أرض النسيان… حيث تبدأ الحكايات الجديدة." "ومن أنت؟" "مجرد ناسك، يقرأ في الرياح، ويسمع صمت الصخور." كان أوريد غامضًا، لكنه علّم آرين أشياء كثيرة. علّمه كيف يصغي للطبيعة، كيف يستشعر مجرى السحر في التراب، كيف يقرأ الرموز القديمة. والأهم… كيف يُخفي وجهه. فالناسك لم ينقذه فقط، بل محا كل أثر لهويته القديمة. "آرين مات،" قال. "إن أردت الانتقام، فعد كشيء لا اسم له. كظلّ." وهكذا فعل. مرّت الشهور، وربما السنين. تحوّل الأمير السابق إلى شخصٍ آخر. قصّ شعره، لحى خفيفة نبتت على ذقنه، عينيه أصبحتا أكثر صمتًا، وندبته فوق الحاجب صارت علامة غريبة يلفّها الظل. بدأ يتنقّل بين القرى البعيدة، يسمع القصص، يراقب البلاط من بعيد، يعلم أن سايلوس أعلن أن آرين انتحر في لحظة ضعف، وأن التاج الآن على رأس ابن أخيه "كراي"، الشاب المتهور الذي يُقال إنه باع جزءًا من أراضي الغسق لشعب الشّرق. الخيانة تتجذّر. الناس يهمسون، التمرد يغلي في القلوب. والجوع، كما يقول أوريد، أسبق من الثورة. قرر آرين أن يبدأ خطوته الأولى… ليس بإعلان الحرب، بل بتجنيد الصامتين. زار قرية تُدعى "دير الغيم"، وهناك التقى أول من تبعه: "إيرسا"، فتاة يتيمة تُجيد السحر الأسود، عيناها كأنهما بُحيرتان من الليل، كانت تعمل مهرّجة في السوق، لكنها تخفي وشمًا ملكيًا على كتفها. قصّته ذكّرتها بشقيقها الذي قُتل ظلمًا، فاختارت أن تنضمّ له. "ما اسمك؟" سألته وهي تنظر إليه نظرة غريبة. "اسمي… لا أحد،" قال. ثمّ لحق به "ثورن"، حدّاد ضخم الجثة كان عبدًا في بلاط الغسق، فُقئت إحدى عينيه في حلبة المصارعة، لكنه لا يزال يضرب بالمطرقة كما لو كان يضرب العالم بأكمله. قال له: "أريد أن أُسقط التاج على رأس من وضعه." وهكذا، بدأ الظل يتشكّل. كانوا ثلاثة في البداية، ثم خمسة، ثم عشرة. لا يعرفون اسمه، ولا تاريخه، لكنهم آمنوا بنظرته، بصمته، بحكايةٍ لا يقولها لكنها تُقرأ في جروحه. "نحن لا نُقاتل من أجل ماضٍ ضائع،" قال لهم في أحد الليالي. "بل من أجل غدٍ لا يُباع." في الظل، صار "آرين" أكثر من أمير. صار فكرة. صار نارًا صامتة تنتظر أن تحرق العرش.