ظل التاج - التتويج و الدم /الفصل الاول - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظل التاج
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: التتويج و الدم /الفصل الاول

التتويج و الدم /الفصل الاول

كانت الليلة التي استعدّ فيها الأمير "آرين" لتتويجه ليلةً غير مألوفة، ليس فقط لاقتراب لحظة اعتلائه العرش، بل لأن السماء نفسها بدت كأنها تراقب. القمر محجوب جزئيًّا خلف غيومٍ من الدخان البنفسجي، وريحٌ باردة قادمة من الشمال تُثير ارتجاف الأعلام على أسطح القصر. البخور يتصاعد في كل زاوية من زوايا البلاط، وتعويذات قديمة تُتلى همسًا على ألسنة الكهنة. في ذلك اليوم، بدت مملكة الغسق وكأنها تمسك أنفاسها. كان "آرين" شابًا في الخامسة والعشرين من عمره، طويل القامة، عريض المنكبين، ذا شعرٍ أسود كسواد ليلتهم، وعينين بلون العقيق. ابن الملك الراحل "كاليغور"، آخر ملوك سلالة اللهيب، المحارب الذي وحد الممالك السبع تحت راية الغسق. ومنذ وفاة والده في المعركة الكبرى ضد شعوب الشرق، كان الأمير يُعدّ لتلك اللحظة، اليوم الذي يصبح فيه ملكًا، فيُعلن أمام الآلهة والشعب أنه الوريث الحقيقي للدم والعهد والنار. استعدّ في غرفته بصمت. ارتدى رداء التتويج، الذي حيكت خيوطه من شعر خيول الجبال وحرير العناكب الفلكية، وعلى صدره نقش تنين ذهبي يُحيط بشمسٍ تتفجّر منها شرارات. عندما نظر إلى المرآة، لم يرَ نفسه… بل رأى أباه. الندبة نفسها فوق الحاجب، النظرة ذاتها الممزوجة بالفخر والتردد. وقف الحارس الأعظم "سايلوس" خلفه، رجل في أواخر الخمسين، ملامحه جامدة كالصخر، وقد ربّى آرين منذ الصغر بعد وفاة والدته. كان كالأب له… أو هكذا ظنّ. "هل أنت مستعدّ؟" سأل سايلوس بصوته الخشن. "لست أدري،" أجاب آرين وهو يشدّ على قبضته. "لكن لا رجوع بعد اليوم." فتحت الأبواب الكبرى، ودخل الأمير قاعة التتويج. آلاف العيون ترقبه من فوق المدرجات: نبلاء، سحرة، ممثلو الممالك الأخرى، وخدم يرتجفون من التوتر. في منتصف القاعة، جلس الكاهن الأعلى فوق منصة من الرخام الأسود، وخلفه التاج… تاج مملكة الغسق، الذي وُضع منذ ألف عام على رأس أول الملوك، قيل إنه صُنع من شظايا نجمٍ سقط من السماء. كل شيء بدا مقدّسًا. حتى الصمت كان له وزن. اقترب آرين بخطى ثابتة. أنشدت الجوقة ترنيمة التتويج، وتلألأت الشموع. رفع الكاهن يديه، وقال: "من يحمل الدم، يحمل النور. ومن يلبس التاج، يلبس النار." لكن في تلك اللحظة، في اللحظة التي مدّ فيها آرين يده نحو التاج، شعر بشيءٍ ما. لم يكن مجرد حدس. كان صقيعًا زحف على عموده الفقري. ثم… جاء الألم. طعنة مفاجئة، سريعة، دقيقة، استقرت في ظهره ناحية القلب. لم يصرخ، بل شَهق فقط، والهواء انحبس في صدره. التفت ببطء، ورأى سايلوس… يحدق فيه بعينين لا تحملان ندمًا. "لماذا؟!" تمتم بصوتٍ واهن. لكن سايلوس لم يُجب، فقط قال: "كنتَ ضعيفًا. مملكتنا تحتاج حاكمًا من نار، لا من رحمة." هوى آرين على ركبتيه، والتاج لا يزال بعيدًا عنه، الدم يسيل على الأرض المزخرفة برموزٍ سحرية. وفجأة، انتشر الهرج، صرخات، هرولة، أسلحة تُشهر. لكن سايلوس كان قد أشار لحارسين مقنّعين، رفعوا جسد الأمير المُحتضر، وسلكوا به ممرًا خلفيًّا لا يعرفه سواه. حملوه إلى شرفة القصر المطلة على النهر المقدّس: "نهر الغسق"، الذي يُقال إنه يبتلع الأسرار ولا يعيد أحدًا حيًّا. وبدون كلمة… ألقوه. سقط آرين في المياه الباردة، ولفّه الظلام. شعر بأن روحه تنفصل عن جسده، بأن قلبه يتباطأ، ثم يتوقف… لكنه لم يمت. بل رأى شيئًا آخر. رأى عالَمًا مقلوبًا، تتكلم فيه الأشجار، وتسير فيه الجبال، وتعيش فيه أرواح الملوك المذبوحين. ومن هناك… كُلّف بمهمته. "ستعود،" قال له كائن غامض، يشبه مزيجًا من اللهب والظل. "لكن ليس باسمك. بل كظل. ظل التاج… لتنتقم ممن سرقوا العرش، وتعيد النور إلى الغسق."