الممر الذي يبتلع الذاكرة
الفصل السابع: الممر الذي يبتلع الذاكرة
ما إن بدأت الجدران بالذوبان، حتى شعرتُ وكأن الهواء يُنتزع من رئتي بقوة، ليس من الخوف فقط، بل من شعورٍ داخلي يقول: "لن تخرجي من هنا أبداً."
صرخت ميسان:
"اركضي! الجدار الخلفي ما زال ثابتاً!"
ركضنا دون أن ننظر خلفنا، كان وقع أقدامنا فوق الأرض المبتلّة كأننا نركض فوق لحمٍ حيّ، كل خطوة تُصدر أنيناً خافتاً، وكأننا نؤلم شيئًا لا نراه.
دخلنا من خلال فتحة ضيّقة، كان الممرّ طويلاً… قاتماً… وساكنًا بشكل غريب.
قلتُ وأنا ألهث:
"أين نحن الآن؟ هل هذا جزء آخر من المتاهة؟"
ميسان لم تجب، كانت تنظر للأمام بصمت، وجهها جامد، كأنها لا تسمعني.
أمسكتُ بيدها وصرخت:
"ميسان! أجيبي!"
لكنها فقط همست:
"من… أنتِ؟"
تجمدتُ.
"ماذا؟"
قالت وهي تحدّق في وجهي بخوف:
"من تكونين؟ أنا لا أعرفك… أين أنا؟ من أنا؟"
هنا فهمت…
الممر ليس عادياً… إنه يسرق الذاكرة.
أحطت ذراعي حولها وقلت بثبات:
"أنتِ ميسان… وأنا رتال… نحن دخلنا إلى هذا الكابوس سويًا… لا تسمحي له بأخذك."
كانت عيناها تمتلئان بالدموع، ثم فجأة… تراجعت خطوة للخلف.
"أنا آسفة… لا أستطيع تذكّرك… لا أستطيع أن أبقى."
وفجأة، فتح الجدار خلفها وكأنه فم، وسُحبت بداخله بسرعة البرق!
ركضتُ نحو الجدار، ضربته بكل قوتي، صرخت، بكيْت… لكن لا فائدة.
أصبحتُ وحدي.
---
واصلت السير في الممرّ وحدي، وكان الصمت فيه لا يُحتمل. لا صوت خطوات، لا نفس، فقط خفقات قلبي التي بدأت تتباطأ، كأنها تتجمد هي الأخرى.
ثم بدأت الهمسات…
أصوات غريبة، تهمس باسمي، لا مرة واحدة… بل مراراً…
رتال… رتاااال… رتااااال…
لكن الأشدّ رعباً؟ كان صوت أمي من بين الأصوات.
"رتال… لماذا تركتِني؟"
التفتُّ، ووجدتُها واقفة خلفي…
لكن وجهها كان مغطى بالظل، لا أستطيع رؤيته.
مدّت يدها إليّ، لكن ذراعها كان أطول من الطبيعي… أطول بكثير.
صرختُ وتراجعت، ركضت بسرعة، ركضت وركضت، وكل شيء من حولي بدأ ينقلب.
السقف تحت قدمي، والأرض فوق رأسي، الممرّ يتموّج، كأنني في بطن وحش حيّ.
ثم… توقفتُ.
وجدت نفسي أمام باب حجري ضخم. عليه نقوش غريبة، ورمز واحد فقط كان واضحًا: وجه ميسان محفور عليه!
وضعت يدي على الحجر، فإذا به ينفتح ببطء…
ودخلت.
---
في الداخل… وجدت ميسان، مربوطة بسلاسل ذهبية، واقفة وسط دائرة طلاسم.
وحولها… الشخصية الجديدة التي التقيناها من قبل، تلك التي بدت طيبة، تدعى ندين… لكنها لم تكن كما ظننا.
كانت تقف هناك، تضحك بصوت خافت، وكلما ضحكت، تنطفئ شمعة من حول الدائرة.
قلتُ لها بصوت غاضب:
"أطلقي سراحها! ما أنتِ؟"
نظرت إليّ وابتسمت… ثم قالت:
"ألم أخبركما أن كل طريق هنا… يوصل إليّ؟ أنا لم أكذب… فقط لم أُكمل الجملة."
اقتربت، ووجهها بدأ يتغير، عيناها أصبحتا سوداوين تماماً، وبشرتها تمزّقت، لتظهر تحتها يد ثالثة تخرج من رقبتها!
"أنا لست عدوتكما… أنا الحقيقة فقط. الحقيقة التي لم تريدي رؤيتها."
---
أغمضتُ عيني… وتمسكتُ بالأمل الوحيد:
أن أصرخ باسم ميسان بكل قوتي، أن أوقظ ذاكرتها.
صرخت:
"ميسااااااااان!! استيقظي! أنا رتال!"
وفجأة… أضاءت دائرة الطلاسم بالكامل، وانفجرت السلاسل!
وسمعتُها تهمس:
"رتال؟!"