صرخة الأرواح المدفونة - مرآة الظلال والبوابة الملعونة - بقلم SISOU | روايتك

اسم الرواية: صرخة الأرواح المدفونة
المؤلف / الكاتب: SISOU
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: مرآة الظلال والبوابة الملعونة

مرآة الظلال والبوابة الملعونة

الفصل الخامس: مرآة الظلال والبوابة الملعونة كنتُ أرتجف وأنا أسحب يدي من سطح المرآة، حيث كنتُ قبل لحظاتٍ على وشك أن أُبتلع داخل انعكاسي. لمى اختفت، كأنها لم تكن يومًا هنا، كأنها مجرّد طيف عابر، وهمٌ تسلّل إلينا حين ظننّا أنّ كل شيء قد انتهى. أنفاسي كانت متقطعة، وقلبي ينبض كأنه يريد الهروب من بين أضلعي. قالت ميسان وهي تلهث وتشدّ على يدي: "أأنتِ بخير؟ لقد… لقد سمعت صوتك ينادي من كل الجهات… لم أعرف من أين يأتي." لم أجبها، فقط نظرتُ إلى الغرفة من حولي… لم تعد كما كانت. الجدران تقطر ماءً أسود كالح墨، والمرايا المحطّمة تعكس صورًا لا تشبهنا، بل تعكس وجوهًا مشوهة، بعضها يضحك، وبعضها يبكي، وبعضها… يراقب. شعرتُ كأن الغرفة لم تعد جزءًا من الواقع، بل صارت فصلاً من كابوسٍ لم أكتبه يوماً، بل فُرض عليّ. وفجأة، على الجدار المقابل، بدأت تظهر فتحة صغيرة، كأنها تُشقّ بمخلب خفيّ، تتوسع ببطء حتى أصبحت على شكل باب ملتوي، ينبعث منه ضوء رماديّ غريب… لا هو أبيض ولا هو أسود… ضوء بارد، بلا روح. ثم عاد الصوت المجهول، الذي لم يكن صوت رجل ولا امرأة، بل شيء بين بين، وقال: "أنتم الآن… في قلب الذاكرة المحرّمة… ادخلوا، إن كنتم تجرؤون." تبادلتُ نظرةً سريعة مع ميسان، كانت نظرة خوف، ولكن تحتها… فضولٌ لا يمكن كبحه. قلتُ ببطء، كمن يحكم على نفسه بالمجهول: "ليس لدينا خيار… قد تكون هناك الإجابات." ودخلنا. --- الداخل لم يكن غرفة، بل ممرًا طينيًا ينبض بالحياة. الجدران مغطاة بأسماء محفورة بأظافرٍ أو بشيء أشدّ قسوة. كلّ اسم نمرّ بجانبه، يُمسح ببطء، وكأن الممرّ يعرف من نكون… ويمحو ما يسبقنا. أرضية الممر لزجة، وكلما خطونا، التصقت أقدامنا أكثر، وكأننا نسير فوق لحمٍ رخو. فجأة… صوت جديد… هادئ، ناعم، يقترب كأنّه لا يمشي، بل ينزلق. "مرحبًا…" التفتنا بسرعة. رأينا فتاة تقف في وسط الممر. شعرها طويل ومبلّل، يغطي معظم وجهها، وترتدي ثوبًا رماديًا قديمًا، بالكاد يلامس الأرض. قالت بصوتٍ مطمئن بشكل مريب: "اسمي ندين، كنت أبحث عنكما منذ وقت طويل…" اقتربت منا بخطى بطيئة، ونظراتها لا يمكن قراءتها. ابتسمت، لكنها ابتسامة لا تُطمئن، بل تبعث على التوجّس. قالت: "هذا المكان خادع… الممرّ يغيّر شكله، ويبتلع من يتوه… أنا أعرف الطريق للخروج، فقط… اتبعاني." نظرتُ إلى ميسان، همستُ لها دون أن تحرّك شفتيها: "لا تثقي بها تمامًا… شيء فيها خاطئ." لكن لم يكن أمامنا خيار، فواصلنا السير معها، ونحن نحمل في داخلنا الشكّ والقلق. --- قادتنا ندين إلى غرفة مستديرة مليئة بـالمرايا القديمة، وكل مرآة منها مغطاة بقماش أسود ممزق. لكن واحدة فقط كانت مكشوفة. اقتربنا منها. لم تعكس صورتنا… بل أظهرتني أنا، لكني كنتُ أصرخ، ووجهي ملطّخ بالدماء. أما ميسان، فقد ظهرت في مرآة أخرى، واقفة وسط فراغ مظلم، ويد خفية تسحبها للأسفل. قالت ندين، وصوتها هذه المرة بدا خافتًا أكثر، كأنها تتحدث من بُعد آلاف الأميال: "كل مرآة تخبّئ ذكرى لم تحدث بعد… اختاروا بعناية." قلتُ وأنا أحدّق في الانعكاس الدامي: "هذه ليست ذكريات… بل تحذيرات." فجأة… سمعنا صوت تحطّمٍ خلفنا. التفتنا بسرعة، ووجدنا أن إحدى المرايا قد سقطت وانشقّت الأرض تحتها، فخرج منها شيء يشبه اليد، لكنها لم تكن يدًا بشرية، بل طويلة، وعظمها بارز، وأطرافها تنتهي بمخالب مكسوّة بالرماد. سحبت يدًا أخرى معها، ثم ثالثة… ثم خرج جسد كامل. كائن بلا وجه، مغطى بندوبٍ ولحمٍ نصف محترق، وعيناه كانتا تجويفين مظلمين. صرخت ندين فجأة: "اركضا!! هذه ليست مرآة مستقبل، بل بوابة للذين تم نسيانهم!" ركضنا، لكن الممر تغير، وكأننا ندور في دائرة لا تنتهي. --- همست ميسان بصوت مرتعش: "لم تعد تساعدنا… ندين… إنّها تجذبنا نحوهم!" توقفت ندين في منتصف الطريق، التفتت إلينا، وفي تلك اللحظة رأينا وجهها واضحًا لأول مرة… كان وجهًا بلا ملامح، فقط جلد مشدود، وفمٌ مشقوق يبتسم. قالت: "أنا لم أقل أنني حقيقية… فقط قلتُ إنني أعرف الطريق." ثم ابتلعتها الأرض، واختفت كأنها لم تكن. وبقينا نحن… وحدنا… أمام طريقين. واحد إلى يسارٍ مظلم لا يُرى آخره، والآخر إلى يمينٍ تنبعث منه أصوات بكاء أطفال… أطفال لا يُفترض أن يكونوا هنا. نظرتُ إلى ميسان، وأدركنا أننا في قلب الحكاية الآن… ولا عودة قبل النهاية.