غزة بين قصفين - تحت الأنقاض - بقلم رانيا - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: غزة بين قصفين
المؤلف / الكاتب: رانيا
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: تحت الأنقاض

تحت الأنقاض

الفصل الحادي عشر: تحت الأنقاض في غزة، كلما سقطت صواريخ جديدة، أصبح الدمار أكثر من مجرد أنقاض مباني. كان الدمار يكتسح الذكريات، ويخنق اللحظات البسيطة التي قد تبدو غير مهمة في عين العالم الخارجي، لكن في قلب غزة، كل لحظة هي قصة، وكل أنقاض هي تاريخ. ليان كانت تحت الأنقاض، ولكن ليس كما يتخيل الآخرون. هي لم تكن مدفونة جسديًا، لكن قلبها كان تحت الأنقاض، يحاول أن يجد مخرجًا وسط أكوام من الحطام، من الخوف، من كل تلك الذكريات التي تآكلت على جدران المدينة. في تلك اللحظات، كانت النوافذ مغطاة بالتراب، والهواء كان ثقيلًا. الأصوات التي كانت تعود إليها من بعيد، كانت تحمل عواء الموت. ولكن في الزمان الذي أصبحت فيه غزة مكانًا غير معلوم، كان غريبًا أن تجد الحياة تواصل التنقل تحت كل هذا الركام. في الحي المجاور، كان هناك رجل مسنّ يُدعى أبو نادر. كان يقف دائمًا على عتبة منزله، ينتظر شيئًا غير واضح. ربما كان ينتظر أن يعود الزمان الذي كان فيه كل شيء طبيعيًا، حيث كانت البيوت تغني بأصوات الأطفال، وحيث كانت الأمهات يخرجن إلى السوق دون أن يشعرن بالخوف. ولكن الآن، أصبح انتظار أبو نادر هو بقاء على قيد الحياة. كلما سقط قصف جديد، كان يتوجه إلى نفس الزاوية من منزله. يحاول أن يقف كما لو أن شيئًا لم يتغير، وكأن العالم الذي يعرفه لم ينتهِ بعد. أما ليان، فكلما فكرت في تلك اللحظات، شعرت وكأن قلبها يغرق أكثر تحت الأنقاض. كانت تكتب في دفترها الأزرق، وتحاول أن تجد كلمات تخرج من أعماق الحطام الذي يثقلها، لكنها كانت تعرف أن الكلمات لا تستطيع أن تعيد الزمان. لا تستطيع أن تعيد الفرح الذي كان يغمر الزقاق الضيق حيث كانت تلعب مع صديقاتها، ولا تستطيع أن تعيد الضحكات التي كانت تتنقل بين البيوت كأغنية. لكن رغم كل ذلك، كانت ليان تجد أن الكتابة هي الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، مثلها مثل كل شيء في غزة. أن تكتب، أن تحكي، أن تظل تحت الأنقاض وتصرخ من أعماقك، تلك هي الحياة. لا يوجد موتٌ أعمق من أن تموت وأنت لا تستطيع أن تبوح. وعندما عاد صوت القصف ليملأ الهواء من جديد، لم تكن ليان خائفة كما كانت في البداية. عرفت أنها مجرد لحظة في الوقت، وأن الحياة ستستمر. رغم كل شيء، تحت الأنقاض، كان هناك دائمًا شيء ما ينبض بالحياة. كتبت في دفترها الأزرق: "تحت الأنقاض، نجد أنفسنا. لا نُدفن في الأرض فقط، بل تُدفن فينا الأشياء التي نحبها، الأشياء التي نخاف من فقدانها، لكننا لا نزال نصر على الحياة، حتى وإن كنا تحت الحطام." .