غزة بين قصفين - نافدة على الخارج - بقلم رانيا - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: غزة بين قصفين
المؤلف / الكاتب: رانيا
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: نافدة على الخارج

نافدة على الخارج

الفصل التاسع: نافذة على الخارج بينما كانت ليان تجلس بالقرب من نافذة صغيرة في غرفتها، شعرت وكأنها تراقب الحياة من مكان بعيد، من عالم آخر. الهواء كان مختلفًا، قاسيًا، لكن شفافًا بما يكفي لترى من خلاله الخوف الذي يغطي الشوارع والأزقة. من هنا، كانت ترى غزة كما لم تراها من قبل. من هنا، كانت الحياة تبدو وكأنها تنكسر على جوانب الحيطان، لكن في ذات الوقت هناك أمل، شعاع ضوء خفيف يحاول أن يتسلل بين الغيوم. النافذة كانت المكان الذي يعكس الداخل والخارج في آن واحد. في الداخل، كانت جدران الغرفة مليئة بالذكريات، بالكلمات، بالدفاتر التي كانت ليان تكتب فيها حياتها التي اختفت بين القصفين. أما في الخارج، فقد كانت غزة هي الحياة الممزقة، المدن المنهارة، والأحلام التي تطير مع الرياح. كانت ترى امرأة مسنّة تجلس على عتبة منزلها، تتأمل السماء كما لو أنها تنتظر شيئًا غير محدد. وابتسمت ليان لها في سرّها، متخيلة أن تلك المرأة ربما كانت تطمح فقط لحلم صغير: أن تُطفئ الأضواء في غرفة مليئة بالحب، وأن تسمع صوتًا لطيفًا يخبرها أن كل شيء على ما يرام. لكن في غزة، لا شيء على ما يرام، وكل شيء غير مستقر. وفجأة، وبينما هي غارقة في هذه الأفكار، سُمع دوي انفجار بعيد. كان صوتًا يتنقل بسرعة، ثم يختفي فجأة كأن الأرض نفسها قد ابتلعته. أغمضت ليان عينيها للحظة، لكن الرياح التي دخلت من خلال النافذة جعلتها تعود إلى الواقع. "أم نضال، عندك فكرة شو كان هذا؟" همست ليان بصوت منخفض. لكن أم نضال، التي كانت تنهمك في ترتيب بعض الأغراض في المطبخ، لم ترد. كان وجهها شاحبًا، كما لو أنها كانت قد فقدت القدرة على الشعور بشيء سوى هذا العبء الذي يلاحقها كل يوم. الوقت هنا، في غزة، ليس مجرد ساعات وأيام. هو وقت مشوّه، يسحبك فيه القصف بعيدًا عن مكانك، ويعيدك إليه في لحظة لا تعرف هل ستكون النهاية أم بداية جديدة. ليان عادت لتنظر عبر النافذة، وهي تفكر في كيف أن تلك النافذة كانت هي الرابط الوحيد بين الماضي والحاضر. كيف أنها كانت تحتفظ بكثير من الأشياء في داخلها، في كل لحظة، مثلما تحتفظ هذه النافذة بكل ما هو في الخارج. ثم فكرت: ربما هذه هي الحياة، أن نكون نافذة تطل على الخارج، بينما نعيش ما لا نراه. ربما تكون هذه اللحظات كلها مجرد محاولة لفهم الحياة، رغم كل القسوة التي تحيط بها. كتبت ليان في دفترها: "في غزة، لا نعيش فقط بين جدران، نحن نعيش في نافذة، نراقب الخارج ولا نعرف إن كان يمكننا الهروب أو مجرد الاستمرار في المراقبة." .