أغان تحت الركام
الفصل السابع: أغان في الركام
في كل زاوية من غزة، تجد أغاني تنبعث من بين الركام، لا تُسمع في البداية إلا كهمسات خافتة، لكنها تظل تملأ المكان بذكرى الحياة التي كانت، قبل أن تصبح الأنقاض لغة جديدة.
ليان كانت تعرف تلك الأغاني جيدًا.
هي نفسها كانت تستمع إليها في أيام الصباح، قبل أن يصبح الصوت مجرد رائحة رماد، قبل أن يصبح الأمل مجرد تردّد في الهواء.
اليوم، كان الصوت يقترب منها.
رغم كل الدمار حولها، كانت هناك نغمات تندمج مع صدى الصواريخ. كانت أغاني قديمة، من زمنٍ بعيد، لا تزال تذكر الناس بأن هناك شيئًا يُحارب من أجله.
عندما خرجت ليان إلى الزقاق الضيق، رأت مجموعة من الشباب يتجمعون بالقرب من ركام أحد المنازل.
كانوا يغنون، يعزفون على آلات موسيقية قديمة، وكأنهم يحتفلون. رغم أن الأجواء كانت مليئة بالدمار، إلا أن أيديهم كانت ترفع الأمل في السماء، حتى ولو لبضع دقائق.
"أغاني في الركام…" قالت ليان لنفسها، وهي تقترب منهم.
أحد الشباب، وهو يرتدي قميصًا قديمًا متسخًا، نظر إليها وقال مبتسمًا:
"نغني لننسى، وننسى لنعيش."
كانت كلمات بسيطة، لكن في سياق المكان، كانت عميقة.
في تلك اللحظة، أدركت ليان شيئًا.
هذه الأغاني لم تكن مجرد كلمات تُقال أو ألحان تُعزف، بل كانت جسرًا صغيرًا بين الحياة والموت، بين الحلم والواقع. كانت الصوت الذي يحاول أن يعبر من خلال الحطام، صوتًا يحاول أن يجعل المدينة تلتقط أنفاسها.
لكن هل تظل المدينة نفسها على قيد الحياة عندما تغرق الأغاني في الركام؟
جلست ليان على الأرض، بجانبهم. استمعت إلى اللحن، وتذكرت بيت خالتها، وتذكرت فراس.
كأن هذه الأغاني كانت وسيلة للعودة إلى الزمن الذي كان فيه كل شيء ممكنًا.
"أغاني في الركام"، فكرت ليان، "حتى عندما يتحطم كل شيء، هناك أغاني لا تذهب بعيدًا."
كتبت في دفترها الأزرق:
"في غزة، لا يموت الصوت، ولا تموت الأغاني. حتى في الركام، هناك دائمًا نغمة تنبض بالحياة."
.