غصة في الحنجرة
---
الفصل السادس: غصة في الحنجرة
اليوم التالي لم يكن يوم عزاء، بل يوم نجاة مؤقتة.
في غزة، لا وقت للحداد الكامل، فالحياة تُجبرك أن تلبس الحزن وتمشي به.
أم نضال لم تجلس لتتلقى التعازي، بل كانت تتحرك بصمت، تُحضر الشاي، تُعدّ الفطور، تلمّ ألعاب فراس من الزوايا، واحدة تلو الأخرى… كأنها تحاول إعادة ترتيب الغياب.
ليان كانت تراقب كل شيء. لم تتكلم كثيرًا، لكنها كانت تشعر أن حلقها لا يتسع حتى للكلمات.
هناك شيء ثقيل عالق… لا هو دمعة، ولا هو صوت… فقط غصّة.
حاولت أن تكتب، لكن يدها كانت ترتجف.
دفترها الأزرق بقي مفتوحًا على الصفحة البيضاء، تنتظر الحرف الأول.
دخل عمّها فجأة، بوجه متجهم ونظرة خاسرة.
قال بصوت مبحوح:
"وصلونا تحذير… لازم نطلع من الحارة اليوم. قالوا في تهديد بقصف قريب."
لم يرد أحد.
حتى هالة الصغيرة، التي عادة ما تبكي حين تسمع كلمة "قصف"، جلست بصمت، تحتضن دميتها الممزقة.
ليان شعرت أن الجدران تضيق، والسقف يهبط، والهواء يُسحب من المكان.
قامت بهدوء، وخرجت إلى السطح، هناك حيث ترى المدينة من علٍ، لكنها لا تستطيع إنقاذها.
وقفت، ونظرت إلى السماء الرمادية، وهمست:
"نحن لا نعيش هنا… نحن نُؤجَّل فقط."
عادت إلى دفترها، وكتبت:
"الغصة في الحنجرة ليست فقط حزنًا، بل صرخة مؤجلة. وكلما حاولنا إخراجها، ذكّرنا العالم أن صراخنا لا يُسمع."
.