صخب في الضلال
الفصل الثالث: صخب في الظلال
لم يكن الليل في بيت أم نضال يشبه ليل بيتهم.
هناك، كانت ليان تخاف الصمت. هنا، تخاف الأصوات.
في الزاوية نفسها التي قرأت فيها رسائل نضال، كانت تجلس الآن على الأرض، مستندة إلى الحائط، بينما يعلو من الخارج ضجيج لا يشبه القصف... بل أسوأ: ضجيج الناس حين يختلفون على ما تبقى.
كان هناك خلاف في الزقاق. صوت رجل يصرخ، امرأة تبكي، وطفل ينادي أمه وهو يركض إلى الداخل.
لم تفهم كل شيء، لكنها سمعت جملةً واحدة بوضوح:
"سرقوا كرت التموين!"
في غزة، حتى الظل فيه معركة. حتى المساعدات قد تشعل الحريق في قلب الجيران.
أغمضت ليان عينيها. تمنت أن تعود إلى دفاترها، إلى عالم تسيطر فيه على الجمل، ولو لم تملك السيطرة على الحياة.
دخلت أم نضال الغرفة فجأة، وجهها غارق بالقلق، وقالت بصوت خافت:
"عمّك راح يشوف شو صاير... بس ما تطلعوا. ظلوا جوا."
تبادل الأطفال نظرات خوف. أحدهم بدأ يبكي.
أما ليان، فشعرت بشيء جديد يتسلل داخلها: الغضب.
الغضب من هذا العالم الذي يجعل الناس يتصارعون على الفُتات، بينما الطائرات في السماء ما زالت تحوم.
همست لنفسها:
"ما حدا بسمعنا... كل هالصراخ، وكل هالدم، وكأننا في الظل."
ثم نظرت إلى دفترها الأزرق، وكتبت:
"في غزة، الصخب لا يحتاج إلى صوت. يكفي أن تعيش، حتى تصرخ."
.