غزة بين قصفين - بيت ليس ككل البيوت - بقلم رانيا - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: غزة بين قصفين
المؤلف / الكاتب: رانيا
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: بيت ليس ككل البيوت

بيت ليس ككل البيوت

الفصل الثاني: بيت ليس ككل البيوت لم يكن بيت خالتها الوحيد الذي سقط، لكن سقوطه كان الأثقل. ربما لأنه حمل ضحكاتٍ لم تُكتمل، وربما لأنه كان ملاذها عندما كانت الحياة تضيق في بيتهم. بعد أسبوع من الحداد الصامت، قررت أم ليان أن الوقت قد حان لزيارة "أم نضال" – زوجة عمّ ليان، التي تعيش في طرف المدينة، في بيت ظلّ صامدًا رغم كل شيء. كانت الرحلة قصيرة، لكن الطريق بدا طويلًا. كل زاوية تحمل أثراً لصاروخ، أو لغيابٍ ما. ليان لم تتكلم. كانت تحدق من نافذة السيارة في البيوت كأنها تبحث عن شيء فقدته. حين وصلا، فتحت أم نضال الباب بابتسامة خافتة، وعينين مرهقتين من السهر والخوف. "نيّرتو البيت، تفضّلوا..." قالتها وهي تفتح الطريق داخل منزل صغير، لكنه دافئ... غريب الدفء، كما لو أن الجدران فيه تُقاوم الحزن عنادًا. البيت ليس واسعًا، لكنه مليء بالحياة. أطفال يركضون في الزوايا، صوت مذياع قديم يصدح بأخبار لا تتغير، وصورة معلّقة لنضال، ابنها الشهيد، تبتسم من فوق الرف الخشبي. جلست ليان قرب الصورة، كأنها تقرأ شيئًا في ملامحها. قالت أم نضال بهدوء: "كان نضال يحب يكتب زيك... كان دايمًا يقول: لازم نحفظ غزة في الورق، مش بس في القلب." شعرت ليان بشيء يضيق في صدرها. هل يمكن للكتابة أن تحفظ المدن من النسيان؟ هل تكفي الكلمات لتقاوم الموت؟ في زاوية الغرفة، رأت ليان دفتراً قديماً، مغبراً، مغطى بطبقة رقيقة من الرماد. فتحته ببطء... وكان مليئاً برسائل لم تُرسل، كتبها نضال. "إلى أمي... إن متّ، لا تبكي كثيراً. ابكي فقط إن نسينا الحكاية." أغمضت ليان عينيها، وشعرت كأنها دخلت بيتاً لا يشبه أي بيت. هذا البيت لم يُبنَ من حجارة فقط، بل من ذاكرة، من وجع، ومن إصرار غريب على الحياة. .