الهدوء الذي يسبق الذاكرة
---
الفصل الأول: الهدوء الذي يسبق الذاكرة
كان الصباح في غزة يشبه حلمًا خفيفًا، بالكاد يكتمل.
الشمس تشرق بتردد، كما لو أنها تخشى أن تُزعج أحدًا، والطرقات لا تزال تحمل غبار القصف الأخير، رغم مرور أسبوع كامل على وقف إطلاق النار.
ليان، فتاة في السابعة عشرة، فتحت النافذة بحذر. رائحة البارود خفتت، لكنها لم تختفِ.
"الحمد لله..." همست، وهي تتنفس الهواء كأنها تختبره: هل هو آمن اليوم؟
في الزقاق الضيق، يمر بائع الخبز بعربته الصدئة، ووراءه طفل يركض حافي القدمين. الحياة تعود، ولكنها لا تعود كما كانت.
غزة تتقن التمثيل... تُقنع نفسها بأنها بخير بين قصفين.
جلست ليان على الأرض قرب النافذة. لم تعد تقوى على النظر في المرآة منذ تلك الليلة التي سقط فيها بيت خالتها دون سابق إنذار.
ليلة واحدة، جعلتها تفقد بيتًا، وجدرانًا، وأصواتًا... وحتى طفولتها.
رفعت دفترها الأزرق – لم يكن دفتر المدرسة، بل دفترها السري – وبدأت تكتب:
"الهدوء لا يعني السلام. في غزة، الهدوء هو الانتظار بصمت. ننتظر الصاروخ التالي، أو المعجزة القادمة. أيهما يصل أولًا؟"
في الخارج، سُمع دويّ خافت. ليس قصفًا هذه المرة، بل هبوط طائرة مسيّرة إسرائيلية، كما أخبرتها أمها بصوت مرتجف.
"ارجعي عن الشبّاك، يمّا..."
لكن ليان لم تتحرك. كانت تنظر إلى السماء، تبحث عن إجابة، عن ملامح الغد.
---