أصوات من تحت الرمادي
الفصل الرابع: أصوات من تحت الرماد
حين فتحتُ عيني، كانت الأرض من حولي مغطاةً برمادٍ ناعم، يتطاير في الهواء كأنّه بقايا حلمٍ احترق.
صوت الانفجار الذي وقع حين مزّقتُ الصفحة ما يزال يتردّد في رأسي، لكن كل شيء من حولي بدا… هادئًا حد الرعب.
رفعت رأسي ببطء، وصرخت:
"ميسان! أأنتِ هنا؟!"
لم يُجبني أحد.
وقفتُ وسط الرماد، وكانت الرؤية ضبابية.
ثم فجأة، لمحت ظلًا يقترب من بعيد.
في البداية ظننته ميسان… لكنه كان أطول، وأقلّ ارتجافًا، ويمشي بخطى واثقة.
تقدّم أكثر… حتى ظهرت ملامحها.
كانت فتاة في نحو السادسة عشرة، شعرها أسود كثيف، وعيناها رماديتان كأنّ فيهما سُحب.
اقتربت مني وقالت بصوتٍ دافئ:
"هل أنتِ بخير؟ لقد سمعتُ الصراخ… كنت أبحث عن مخرج حين وجدتك."
تراجعتُ قليلاً بحذر:
"من… من أنتِ؟ كيف وصلتِ إلى هنا؟"
ابتسمت بهدوء، وقالت:
"اسمي لمى. كنتُ في بيت خالتي القديم… وجدت دفترًا غريبًا، وحين فتحته… استيقظت هنا."
نظرتُ إليها بعينين متسعتين:
"دفتر؟! مثلي تمامًا…"
أكملت:
"ظننتُ أنني وحدي في هذا المكان، لكن يبدو أن هناك آخرين. علينا أن نخرج من هنا قبل أن يعود الظلّ…"
في تلك اللحظة، سمعنا صرخة مكتومة، تأتي من عمق الرماد.
ركضتُ خلف الصوت، وتبعتني لمى دون تردد.
بدأ الرماد يتفتّت تحت أقدامنا كأنه يخفي شيئًا تحته.
ثم… رأيتُ يدًا تخرج من الأرض!
صرختُ: "ميسان!!"
حفرت بيدي، وساعدتُها على الخروج. كانت ميسان متعبة، وجهها شاحب، وعيناها تملؤهما الدموع.
"ظننتُ أنني سأموت هناك…" قالت بصوتٍ مكسور.
لكنها حين رأت لمى، توقفت فجأة.
حدّقت فيها بصمت، ثم قالت لي بهمسٍ خافت:
"ريتال… أنا لا أعرف لماذا… لكن شيئًا فيها يُزعجني."
همستُ لها:
"لقد ساعدتنا… لا تكوني قاسية."
لمى ابتسمت لنا وقالت:
"علينا أن نتحرّك. هناك باب قديم خلف التلّ، سمعت أصواتًا خلفه… قد يكون طريقًا للخروج."
وقبل أن نمشي، قالت شيئًا جعل قلبي يتجمّد:
"لكن إياكما أن تنطقَا باسمي إن سمعتماني أصرخ…
لأن ليس كل صرخة تأتي مني."
سِرنا خلف لمى وسط الضباب الرماديّ، والرؤية كانت بالكاد تُرى.
كلما اقتربنا من التلّ الذي ذكرته، كانت الأرض تزداد برودة، وكأننا نمشي فوق جليدٍ قديم… لكن لم تكن هناك ثلوج.
قالت ميسان، وهي تهمس بقربي:
"ريتال… أنا لا أرتاح لها، ملامحها لا تتغيّر، لم ترمش حتى مرة واحدة منذ التقينا بها."
لم أُجبها. قلبي كان يميل للتصديق، لكن عقلي كان يقول: "قد تكون أملنا الوحيد للخروج."
وفجأة، توقفت لمى أمام بابٍ صدئ، نصفه مدفون في التراب.
"ها هو…" قالت وهي تنحني وتبدأ بإزالة الغبار من عليه.
"لكن قبل أن ندخله… يجب أن تفهموا شيئًا."
تبادلنا النظرات أنا وميسان.
قالت لمى، وعيناها جامدتان:
"كل من يدخل هذا الباب… قد يرى أشياء ليست حقيقية.
أصوات، وجوه، وحتى أنفسكم… لا تصدّقوا أي شيء حتى تتأكدوا بأنفسكم."
ثم وضعت يدها على المقبض، وفتحت الباب.
---
الداخل كان ممرًا طويلًا، مظلمًا، وأصوات طنين خافتة تملؤه، كأن آلاف الحشرات تهمس من فوقنا.
أشعلنا ضوءًا صغيرًا من هاتف قديم كان معي، لكن البطارية كانت تضعف بسرعة.
في منتصف الممر، بدأت الجدران تتحرّك ببطء، وكأنها تتنفس.
وظهرت كتابة حمراء على الجدار:
"كلّ ما تراه… يحبك أن تصدّقه."
همست ميسان فجأة:
"ريتال… لمى اختفت."
التفتُّ خلفي… وكانت فعلاً قد اختفت.
لا أثر لها. لا صوت. لا نفس.
صرختُ: "لمى؟! أين أنتِ؟!"
وجاء الرد… من كل الجهات:
"أنا هنا، ريتال… هناااااا…"
لكن الصوت كان يتكرّر… ويتغيّر… في كل مرة يأتي بشكل مختلف.
مرة خافتًا، مرة غاضبًا، مرة يشبه صوت أمي!
مسكت ميسان يدي بقوة، وهمست برجفة:
"هذا ليس مكانًا طبيعيًا… هذا المكان يلعب بعقولنا."
فجأة… ظهر وجه لمى خلفنا، دون جسد.
قالت وهي تبتسم:
"ألم أقل لكما… لا تصدّقا أي شيء؟"
ثم اختفت مرة أخرى.
هنا… بدأ الممر يُغلق من الخلف، كأن جدارًا أسود يزحف نحونا.
"اركضي!" صرختُ لميسان.
ركضنا، نلهث، ونحن نسمع ضحكات لمى في كل زاوية، لكن لم تكن ضحكاتها تلك الهادئة… كانت مليئة بالسخرية والشر.
وصلنا أخيرًا إلى بابٍ خشبي في آخر الممر. فتحناه بقوة… ووجدنا أنفسنا في غرفة تشبه غرفتنا القديمة في المنزل!
لكن كل شيء فيها مكسور، معلّق بالمقلوب، وكأنّ العالم انقلب على رأسه.
ثم سمعنا صوتًا مألوفًا، صوتي… لكن ليس أنا!
"ريتاااال… لماذا كتبتِ عنّا؟ لماذا فتحتِ الدفتر؟"
نظرتُ، فإذا بي أرى نفسي… واقفة عند المرآة، بوجهٍ شاحب، وعينين سوداوتين.
أما خلفي… فظهرت لمى أخيرًا، تهمس لي:
"أنهي الرواية… قبل أن تُنهيكِ."