الظل الذي يعرف الأسماء
الفصل الثالث: الظلّ الذي يعرف الأسماء
انفتحت الأبواب ببطءٍ شديد، تصدر صريرًا مرعبًا كأن أحدًا يدفعها من الجهة الأخرى. نظرتُ إلى ميسان، وكانت يدها ما تزال ترتجف بين يديّ، عيناها تترجّيانني ألّا نتقدّم، لكنّني كنت أشعر بشيء أقوى من الخوف… شيءٌ يدفعني نحو المجهول.
تقدّمتُ خطوة.
لم يحدث شيء.
ثم خطوة أخرى… وميسان خلفي تهمس:
"ريتال، لا تفعلي… لا ندخل… أرجوكِ."
لكنّي كنت أسمع صوتًا آخر، داخلي، خافتًا… يقول:
"إنها ليست أبوابًا… بل بداية أخرى."
دخلنا.
كان المكان ممرًا طويلًا، ممرًا لا نهاية له، جدرانه من الطوب القديم المغطى بالعفن، وأرضه مليئة بالغبار وآثار أقدام صغيرة… لكنها لم تكن بشريّة.
وفي كل بضعة أمتار، كان هناك باب مغلق، وعلى كل باب، وُضعت لوحة خشبية كُتب عليها:
"ممنوع النطق بالأسماء."
همست ميسان: "ما معنى هذا؟"
لكنني لم أجب… فقد شعرت فجأة بعيون تراقبنا من السقف.
رفعتُ رأسي… كان هناك عشرات الظلال السوداء، تتحرّك ببطء، لا تملك وجوهًا، فقط أعين حمراء تتوهّج في الظلام.
تابعنا المشي بصمت، والهواء من حولنا يزداد برودة كأننا نغوص في ثلاجة زمنية، كل شيء يتجمّد… حتى أنفاسي.
فجأة، سمعنا طرقًا من داخل أحد الأبواب.
طرق خافت… ثم أعلى… ثم صرخات!
التصقَت ميسان بي، وصرخت:
"لا تفتحيه، ريتال، لا تفتحيه!"
لكن الباب انفتح وحده.
في الداخل، كانت هناك غرفة ضيّقة، فيها مرآة ضخمة في الجدار المقابل.
وفي المرآة… لم نرَ أنفسنا، بل رأينا فتاةً تشبهني تمامًا، تبكي وتضرب الزجاج، وتقول:
"لا تنطقي اسمي… لا تدعِهم يعرفونه!"
ثم انفجرت المرآة، وتناثر الزجاج، وسقطنا نحن الاثنتان أرضًا.
وعندها… سمعنا الصوت.
صوتٌ أجشّ، يخرج من كل الاتجاهات:
"لقد عُرف الاسم."
"وسيبدأ الآن… السقوط."
الضوء انطفأ.
الميول الأرضية تغيّرت.
بدأ كل شيء يدور… ثم سقطنا.
لا نعلم كم من الوقت مرّ ونحن نهوي في العتمة، صراخنا يتردّد في الفراغ، وقلبانا يكاد ينفجر.
ثم… اصطدمنا بالأرض.
حين فتحتُ عيني، وجدت نفسي وحدي.
ميسان اختفت.
كنت في قاعة مهجورة، جدرانها مليئة بصور قديمة، وكل صورة تُظهر شخصًا مختلفًا، لكنّ الجميع يشتركون في شيءٍ واحد:
أعينهم ممسوحة.
وفوق الصور، كُتبت جملة واحدة:
"من لا يُعرف اسمه… ينجو."
وفجأة، ظهر ظلّ طويل أمامي.
لم أره يتحرّك. لم أره يقترب.
كان ببساطة هناك…
وقال بصوتٍ لا يُشبه البشر:
"ريتااااال… لقد نُطِق اسمك، والدفتر فتح الصفحة التالية."
تمام يا ريتال، اربطي جيدًا، لأن اللي جاي مخيف أكتر…
نكمل من لحظة ظهور الظلّ المرعب اللي نطق باسمك:
تجمّدتُ في مكاني.
الظلّ لا يتحرّك، لكنه يعرف اسمي.
صوتُه كان كأنّه يُقال داخل رأسي، لا عبر أذني، يتردّد صداه في كل عظمة من عظامي.
"من أنت؟!" صرختُ، بصوتٍ متقطّع، خائف، أضعف من أن يُسمع.
لكنه أجاب دون أن أراه يتحرّك:
"أنا الفكرة التي كتبتِها… لكنك لم تنهيها."
"أنا الصفحة البيضاء… التي يسكنها مَن لا يجب أن يُذكر."
تراجعت خطوة، ثم سمعت صوتًا يأتي من زاوية الغرفة.
كان هناك دفتر آخر… نسخة طبق الأصل من الدفتر الذي وجدناه.
اقتربتُ، وكل شيء من حولي أصبح مشوّشًا.
فتحت الدفتر، فوجدت فيه رسمًا لي… وأنا واقفة في الغرفة نفسها.
ثم بدأت الكلمات تُكتب وحدها على الصفحة:
"الكاتبة الآن وحيدة."
"صديقتها اختفت… ولكنها ليست الوحيدة هنا."
"سيبدأ الطَرق بعد قليل… لا تُجِب."
وفعلًا…
سمعت الطَرق.
ثلاث ضربات على باب لا أذكر أنه كان هناك.
ثم صوت خافت جدًا، وكأنّه صوت ميسان:
"ريتااال… افتحي، أنا عالقة… أرجوكِ…"
تردّدت.
اقتربت من الباب ببطء، وضعت أذني عليه.
نفس الصوت: "افتحي، ريتال… أنا خائفة… بردانة…"
لكن ثمّة شيء غريب…
ميسان لا تناديني باسمي مرتين أبداً.
دائمًا تقول "ريتال" مرة واحدة.
همستُ لنفسي:
"إذا كنتِ ميسان… قولي لي، ما اسم المكان الذي التقينا فيه أول مرة؟"
صمت.
ثم تغيّر الصوت… أصبح أجشًا، مكسورًا، وقال:
"فتحتِه أم لا… أنا قادم."
هنا عاد الظلّ.
لكن هذه المرة… كان أطول، وأضخم، وجهه بلا ملامح…
وفي صدره أسماء محروقة.
كانت واحدة منها اسمي… لكنه لم يُمسح بعد.
"ماذا تريد؟!" صرخت.
قال بهدوء:
"كل من يكتب… يُصبح جزءًا."
"القصص لا تبقى خيالًا حين تُكتب بالدم."
ثم بدأ الظلام يتسلّل من أطراف الغرفة، يتقدّم نحوي.
وكانت الجدران تختفي، والأرض تُمحى، والدفتر في يدي يشتعل من الداخل.
وقبل أن أُحاصَر تمامًا، سمعت صوتًا مألوفًا…
ميسان!
كانت تصرخ من مكانٍ بعيد:
"ريتااال!! لا تخلي الظل يمسكك، لازم نحرق الصفحة اللي عليها اسمك!!!"
نظرت إلى الدفتر… كانت الصفحة تنبض كأنها قلب، واسمي يُضيء بلونٍ أحمر.
فتحتُ قلبي، مددت يدي المرتجفة… ومزّقت الصفحة.
كل شيء انفجر في لحظة واحدة.
صرخة هائلة، ضوء أبيض، ثم…
صمت.