المدرسة التي لا تغادرها الأرواح
الفصل الأول: المدرسة التي لا تُغادرها الأرواح
لم يكن الصباح مشرقًا كما تخيّلنا، بل غلفه ضباب رمادي كثيف كاد يخنق الهواء. وقفتُ أمام بوابة مدرسة "غرينفيلد" الداخلية، وإلى جواري صديقتي "ميسان"، كلتانا تحمل حقيبة سوداء وعينين متردّدتين.
كنا نُفترض أن نبدأ عامًا دراسيًا جديدًا، لكن شيئًا ما في هذا المكان لم يكن على ما يرام. الأشجار التي أحاطت بالسور الحجري بدت كأنها تنظر إلينا، وأغصانها تلامس بعضها البعض بخفة، تُصدر أصواتاً كالهَمْس... همسٌ خافتٌ بالكاد يُسمع، لكنه يقترب من القلب أكثر مما ينبغي.
نظرتُ إلى ميسان، كانت ترتجف قليلاً، لكنها ابتسمت لي محاولةً طمأنتي. ابتسمتُ بدوري، رغم أنني لم أكن بخير. قلبي كان ينبض بشدة، وكأنّه يرفض الدخول.
كان في داخلي شعور خفي، كأن شيئًا غامضًا، غير مرئي، ينتظرنا خلف هذه الجدران... لكنّنا تجاهلنا الأمر، وتقدمنا بخطًى مترددة.
عندما اجتزنا البوابة، تغيّر كل شيء.
أحسستُ فجأة بأن الهواء صار أثقل، وكأنّه محمّل بأسرار لم تُكشف بعد. الممر الطويل أمامنا كان ساكنًا، ولا صوت يُسمع سوى وقع أقدامنا على الأرض الرخامية الباردة.
الجدران كانت متشققة، مائلة للصفرة، ومزينة بإطارات لصور طلاب قدامى بعيون غريبة... كأنهم ينظرون إليك، حتى بعد أن تُشيح بنظرك عنهم.
"رِتال... هل تشعرين بشيء غريب؟" همست ميسان.
"نعم... ولكن ربما هو التوتر فقط"، تمتمتُ دون أن أنظر إليها.
وفجأة، أثناء مرورنا بجانب إحدى الغرف، سمعنا صوتًا خافتًا، كأن أحدهم يناديني:
"رِتاااال..."
تجمدتُ في مكاني. الصوت لم يكن صراخًا، بل همسًا طويلاً فيه رجاء... أو ربما تهديد خفي.
نظرتُ خلفي بسرعة، لكن الممر كان خالياً. التفتت ميسان إليّ، وجهها شاحب:
"هل ناداكِ أحدهم؟"
"لا... لا أعلم... لنمضِ فقط"، قلتُ، وأنا أُخفي رعشة تسري في ظهري.
لم نكن نعلم وقتها أن تلك الخطوة داخل "غرينفيلد" كانت أول خطوة في طريق لا رجعة فيه...
طريق مظلم، مملوء بالأصوات، بالأرواح، وبأسرار دُفنت منذ زمن... وما كان يجب أن تُحفر من جديد.
---
سرنا في الممر بهدوء، وكلانا يلتفت بين لحظة وأخرى إلى النوافذ المكسورة التي يتسلّل منها ضوء شاحب.
كانت الجدران تحمل بقايا كتابات غريبة، رموز ورسومات باهتة كأنها نُقشت منذ قرون، لا يفهمها أحد.
في نهاية الممر، كان هناك باب خشبي عريض، منقوش عليه شكل غريب يشبه عينًا مفتوحة، تطل من بين دوائر متداخلة.
وضعتُ يدي على المقبض، لكن قبل أن أفتحه، انفتح الباب فجأة من تلقاء نفسه...
وبدا من خلفه رجل طويل، صامت، واقفٌ في الظلّ.
كان وجهه مغطى بظل القبعة السوداء التي يرتديها، ومعطفه الرمادي طويل يلامس الأرض.
تحدث بصوت منخفض أجش:
"مرحبًا... أنتما جديدتان، أليس كذلك؟"
تبادلتُ النظرات مع ميسان، ثم هززتُ رأسي ببطء.
"أنا المرشد. اسمي لا يهم... لن تبقيا طويلًا حتى تحفظاه."
شعرتُ أن قلب ميسان سقط في قدميها، وتمسكت بذراعي، بينما هو تابع بنبرة أشد غرابة:
"غرينفيلد ليست كأي مدرسة... هنا، الأصوات لا تختفي، والذكريات لا تموت... أنتما الآن في مكانٍ لا يرحم الفضوليين."
ثم التفت فجأة، دون أن يدعنا نسأله شيئًا، وسار في الممر المظلم، خطواته تُصدر صدى وكأن الأرض تجاوبه.
نظرنا إلى بعضنا ونحن لا نعلم: هل نتبعه؟ أم نركض خارجًا وننسى كل هذا المكان؟
لكن شيئًا أقوى منا جعلنا نتحرك خلفه.
كأننا نُساق دون إرادتنا.
وبينما نسير، كنا نسمع من خلفنا صوت خطوات أخرى...
ثالثة...
بطيئة...
لم تكن لأحد منا.
خطواتنا خلفه كانت بطيئة، لكن خطواته أسرع من أن نلحق بها بسهولة، ومع ذلك… لم نره يبتعد.
كأنه يمشي دون أن يتحرك.
كأنّه لا ينتمي لهذه الأرض.
"أين تأخذنا؟" سألتُه، لكنّه لم يلتفت.
أجاب دون أن يحرك رأسه:
"إلى حيث بدأت الحكاية… أو بالأحرى، إلى حيث لم تنتهِ أبداً."
لم أستطع فهم ما يقصده، ونظرت إلى ميسان التي كانت تنظر خلفنا بقلق.
"هل... تسمعين هذا؟" همست.
صمتت، ثم أضافت: "صوت الخطوات ما يزال معنا."
توقفتُ فجأة، ووقفت ميسان بجانبي.
المرشد لم يتوقف… لكنه اختفى.
نعم، اختفى…
كان أمامنا قبل لحظة، والآن لم يعد هناك سوى ممر طويل مظلم وصوت رياح باردة تمر من خلاله.
"أين ذهب؟!" سألت ميسان بصوت مرتجف.
"لا أعلم... رأيته أمامنا… ثم اختفى فجأة."
وفجأة…
صرير باب حاد صدر من جهة اليمين، من باب صغير لم نلحظه من قبل.
كُتب عليه بخط باهت:
"المعلمون لا يدخلون هنا."
نظرتُ إلى ميسان، وقلتُ بحذر: "هل نذهب؟"
قالت وهي تتنفس بصعوبة: "لا أعلم… ولكن… الصوت جاء من هناك."
اقتربنا، ويداي ترتجفان وأنا أضعها على المقبض البارد.
فتحنا الباب.
كانت غرفة ضيّقة، جدرانها مغطاة بالصور القديمة، صور طلاب ومعلمين... لكن وجوههم ممسوحة، بلا ملامح، مجرد ظلال على ورق أصفر.
في وسط الغرفة، كرسي قديم مهترئ، وعليه يجلس… المرشد.
لكنه كان مختلفًا.
لم يكن يتحرك.
وجهه مائل جانبًا، وكأنّه دمية معلقة.
عيناه مفتوحتان تمامًا، لكن لا يرمش…
كأنّه... ميت.
اقتربت ميسان ببطء، وهمست: "رِتااال… هذا ليس نفس الشخص، صح؟"
أردت أن أصرخ، أن أركض، لكن صوتًا غريبًا انبعث من فمه دون أن يتحرك:
"لم أدلكما على الطريق… الطريق هو الذي اختاركما."
ثم…
أُغلِق الباب خلفنا بقوة!
ركضتُ إليه بسرعة، لكنه كان موصدًا بإحكام.
بدأت الجدران تصدر أنينًا خافتًا، والصور بدأت تتحرك… وجوه الطلاب الباهتة بدأت تظهر شيئًا فشيئًا، وكلها تنظر نحونا.
ميسان التصقت بي، وصوتها يرتجف:
"أريد الخروج، رِتال… أريد الخروج!"
لكن لم يكن هناك مخرج…
ولا يبدو أن أحدًا خرج من هذه الغرفة من قبل.